الشيخ محمد هادي معرفة

274

تلخيص التمهيد

أمّا التناسب بين السوَر بعضها مع بعض - حسب ترتيبها الراهن في المصحف الشريف - فلا ضرورة تدعو إليه ، وإن تكلّفه أناس . إذ هذا النظم السوَري القائم شيء صنعه أصحاب الجمع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وليس مستنداً إلى وحي السماء . حسبما قدّمنا . فمن التكلّف الباهت محاولة اختلاق التناسب بين خواتيم السوَر ومفتتحات السوَر التالية لها ، لأنّه التزام بما لا يلزم ، فضلًا عن كونه تعسّفاً في الرأي والاختيار . وأوّل من استنكر زعم التناسب بين السوَر - فيما نعلم - هو سلطان العلماء الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام ( توفّي سنة 660 ) قال : المناسبة علم حسن ، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوّله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر . قال : ومن ربط ذلك فهو متكلّف بما لا يقدر عليه إلّابربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن أحسنه ، فإنّ القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض ، مع اختلاف العلل والأسباب ، كتصرّف الملوك والحكّام والمفتين وتصرّف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادّة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها . وعاكسه الشيخ وليّ اللَّه محمَّد بن أحمد الملويّ المنفلوطي ، قائلًا : وقد وَهَم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنَّها على حسب الوقائع المتفرقّة . وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا ، وعلى حسب الحكمة ترتيباً ، فالمُصحف كالصُحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون ، مرتّبة سوَره كلّها وآياته بالتوقيف « 1 » . قال الإمام بدرالدين الزركشي : وهذا الذي ذكره الشيخ وليّ اللَّه مبنيّ على أنّ ترتيب السوَر توقيفي . ثم رجّح ذلك وأخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السور . قال : وإذا

--> ( 1 ) . البرهان : ج 1 ص 37 ، والإتقان : ج 3 ص 323 ( ط 2 ) ، ونظم الدرر للبقاعي : ج 1 ص 8 .