الشيخ محمد هادي معرفة
261
تلخيص التمهيد
فهذا أغثّ كلام يكون وأسخفه ، وقد بيّنا علّته ، وهو تكلّف المعاني من أجله ، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلّم بها ما كانت ! وفواصل القرآن كلّها بلاغة وحكمة - على ما سبق بيانه - لأنّها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها . وإنّما اخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة ، وذلك أنّه ليس فيه إلّاالأصوات المتشاكلة مع إغفاء المعاني ، كما ليس في سجع الحمامة إلّاالأصوات المتشاكلة - الهدير « 1 » - وهكذا المعنى في السجع ، إذا تُكلّف له من غير وجه الحاجة إليها ذاتاً ، أو ملاحظة الفائدة فيه ، لم يعتد به ، ولم تخرج الكلمات بذلك عن كونها غير ذوات مفهوم ، فصارت بمنزلة هدير الحمام ، ليس فيه سوى ترجيع أصوات متشاكلة « 2 » . فواتح السوَر وخواتيمها لا شكّ أنّ أدب الكلام إنّما هو بمطالعه ومقاطعه ، والناطق المفوّه من أجاد الورود في مقصوده والتخلّص عنه . وهو من أركان شرط البلاغة التي بها تعرف مقدرة المتكلّم البليغ في حسن التوفية ولطف التعبير . ذكر ابن الأثير للكتابة شرائط وأركاناً ، أمّا الشرائط فكثيرة - أودعها ضمن تأليفه « المثل السائر » - وأمّا الأركان التي لابدّ من إيداعها في كلّ كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة ، أحدها - وهو الركن الأول - أن يكون مطلع الكتاب عليه جِدَّة ورَشاقة ، فإنّ الكاتب من أجاد المطلع والمقطع . أو يكون مبنيّاً على مقصد الكتاب « 3 » . قال : ولهذا باب يسمّى باب « المبادئ والافتتاحات » والركن الآخر - وهو الثالث - أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى
--> ( 1 ) . يقال : هدر الحمام إذا قرقر وكرّر صوته في حنجرته . ( 2 ) . النكت في إعجاز القرآن : ص 97 - 98 . ( 3 ) . ويسمّى ذلك « براعة الاستهلال » . وذكره ابن الأثير في النوع الثاني والعشرين ، في ( المبادئ والافتتاحات : ج 3 ص 96 ) قال : وحقيقة هذا النوع أن يجعل مطلع الكلام دالًا على ذات المقصود منه والجهة التي يريدها المتكلّم بكلامه . وذكره ابن معصوم بعنوان : « حُسن الابتداء وبراعة الاستهلال » في ( أنوار الربيع : ج 1 ص 34 ) .