الشيخ محمد هادي معرفة

26

تلخيص التمهيد

يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » « 1 » . فجعل عجزهم علماً للرسالة ، فلو قدروا ما أقصروا ، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره ، فلمّا رأيناهم تارةً يقولون : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ » « 2 » وتارةً يقولون : « لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا » « 3 » ، وتارةً يصفونه بأنّه « أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » « 4 » وتارةً يقولون : « لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » « 5 » وتارةً يقولون : « ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ » « 6 » كلّ ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله ، علمنا قصورهم عنه ، ومحال أن يقال : إنّه عورض فلم ينقل ، فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ . وقد رأينا كتباً كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدووِلت « 7 » . ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ - إلى جانب كونه معجزاً - جانب كونه كتاب تشريع ، فقد قُرن التشريع بإعجاز ووُحّد بينهما ، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها ، دلّ على ذاته بذاته . قال العلّامة ابن خلدون : إعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله . فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النّبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه ، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعي ، وهو الخارق المعجز ، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة ، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه .

--> ( 1 ) . الإسراء : 88 . ( 2 ) . فصّلت : 26 . ( 3 ) . الأنفال : 31 . ( 4 ) . النحل : 24 . ( 5 ) . الفرقان : 32 . ( 6 ) . يونس : 15 . ( 7 ) . عن مقدّمته على التفسير : ص 102 - 104 .