الشيخ محمد هادي معرفة

249

تلخيص التمهيد

يشكّل سياق الآية في مصطلحهم . والمناسبة القائمة بين كلّ مجموعة من الآيات ممّا لا يكاد يخفى ، حتّى ولو كانت هي مناسبة التضاد ، كما أفاده الإمام الزركشي في عدّة من السوَر جاء فيها ذلك . . . قال : وعادة القرآن إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً ، ليكون ذلك باعثاً على العمل ، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ، ليعلم عظم الآمر والناهي . قال : وتأمّل سور البقرة والنساء والمائدة وأمثالها تجده كذلك « 1 » . هذا ما ظهر وجه التناسب فيه . لكن قد يخفى وجه التناسب ، فتقع الحاجة إلى تأمّل وتدقيق للوقوف على الجهة الرابطة ، لأنّه كلام الحكيم ، وقد تحدّى به ، فلابدّ أنّه عن حكمة بالغة . من ذلك قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » « 2 » . فقد يقال : أيّ رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها ؟ قيل : إنّه من باب الاستطراد - وهو الانتقال من مقصد إلى آخر لأدنى مناسبة يراه المتكلّم أولى بالقصد - وكأنّه جعل مبدأ كلامه ذريعة لهذا الانتقال ، ولكن بلطف وبراعة ، وهو من بديع البيان « 3 » . قال الزمخشري : لمّا ذَكر أنها مواقيت للحج عَمَد إلى التعرّض لمسألة كانت أهمّ بالعلاج ، وهي عادة جاهلية كانت بدعة رذيلة ، كان أحدهما إذا أحرم لا يدخل حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً ، فإن كان من أهل المدر نقب في مؤخّرة بيته فيدخل ويخرج منه . وإن كان من أهل الوبر جعل خلف خبائه مدخله ومخرجه ، ولم يدخلوا من الباب . . . بدعة جاهلية مقيتة لا مبرّر لها . . . فلمّا وقع سؤالهم عن الأهلّة - وهي مواقيت للناس في شؤون حياتهم ، وللحجّ بالذات ، ولم يكن كبير فائدة في مثل هذا السؤال - استغلّه تعالى فرصة مناسبة

--> ( 1 ) . البرهان : ج 1 ص 40 . ( 2 ) . البقرة : 189 . ( 3 ) . قال الأمير العلوي : عليه أكثر القرآن . ( الطراز : ج 3 ص 14 ) .