الشيخ محمد هادي معرفة
245
تلخيص التمهيد
الاصطراخ الذي لا يجد من يهتمّ بشأنه أو يلبّيه . وتلمح من وراء ذلك كلّه صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون . وحين يستقلّ لفظ واحد بهذه الصُور كلّها ، ويدلّك اللفظ عليه قبل دلالة المعنى ، يكون ذلك فنّاً من التناسق البديع « 1 » . وعندما تستمع إلى قوله تعالى : « مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ « 2 » أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ » « 3 » . وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية ، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج ، تُنسف وتُدمّر كلّ شيء ، فتصوّر وقع عذاب شديد أَلمَّ بقوم ظالمين . وهكذا عندما تُتلى عليك « إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ . تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ » « 4 » أو « وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ » « 5 » تجد وقع العذاب وشدّته من مضض هذه اللفظة عند اصطكاكها مع صماخ اذنك ، واللفظة مضاعفة بجرسها دلالة على مضاعفة العذاب . وعندما تقرأ « فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ . يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ . تَرْهَقُها قَتَرَةٌ . أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ » « 6 » تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يذيب القلوب وتذهل النفوس . قال ابن عباس : « الصاخّة » صيحة القيامة ، سمّيت بذلك لأنّ صرختها تصخّ الآذان ، أي تدكّها دكّاً عنيفاً تكاد تصمّها . وهكذا اللفظة دلّت عليه برنّتها المرعدة ذات وقع صوتّي عنيف ، وكأنّك تشهد الموقف ، وقد فاجأتك صرخته .
--> ( 1 ) . التصوير الفنّي : ص 72 . ( 2 ) . صاد حرف مستعل ومصمت ذو صفير ، وراء حرف مجهور منذلق ذو تكرير . ( 3 ) . آل عمران : 117 . ( 4 ) . القمر : 19 و 20 . ( 5 ) . الحاقة : 6 . ( 6 ) . عبس : 33 - 42 .