الشيخ محمد هادي معرفة

24

تلخيص التمهيد

جمعاء مع الأبد ، مهما ارتقت وتصاعدت في آفاق الكمال ، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الإسلام . ولقد صعب على العرب - يومذاك وهم على البداوة الأُولى - تحمّل عبء القرآن الثقيل ، فلم يطيقوه . ومن ثم تمنّوا لو يبدّل إلى قرآن غير هذا ، ومعجزة أخرى لا تكون من قبيل الكلام : « قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » « 1 » . إنّها لم تكن معجزة للعرب فقط ، وإنّما هي معجزة للبشرية عبر الخلود ، لكن أنّى لُامّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تُدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها اقترحت عن سفه : أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعاً ، أو تكون له جنّة من نخيل وعنب ويفجّر الأنهار خلالها تفجيراً ، أو يسقط السماء عليهم كسفاً ، أو يأتي باللَّه والملائكة قبيلًا ، أو يكون له بيت من زخرف ، أو يرقى في السماء ، ولا يؤمنوا لرقيّه حتى ينزل عليهم كتاباً يقرأونه . وقد عجب النبيّ صلى الله عليه وآله من مقترحهم ذلك التافه الساقط ، ممّا يتناسب ومستواهم الجاهلي ، ومن ثم رفض اقتراحهم ذاك « قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا » « 2 » . أي ليس هذا من شأنكم وإنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير . قال الراغب الإصفهاني : المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم السلام ضربان : حسّي وعقلي . فالحسّي : ما يدرك بالبصر ، كناقة صالح ، وطوفان نوح ، ونار إبراهيم ، وعصا موسى عليهم السلام . والعقلي : ما يدرك بالبصيرة ، كالإخبار عن الغيب تعريضاً وتصريحاً والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم . فأمّا الحسّي : فيشترك في إدراكه العامّة والخاصة ، وهو أوقع عند طبقات العامّة ، وآخذ بمجامع قلوبهم ، وأسرع لإدراكهم ، إلّاأنّه لا يكاد يفرق بين ما يكون معجزة في الحقيقة ، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحراً ، أو سبباً اتفاقياً ، أو مواطأة ، أو احتيالًا هندسياً ، أو

--> ( 1 ) . يونس : 15 . ( 2 ) . الإسراء : 93 .