الشيخ محمد هادي معرفة
227
تلخيص التمهيد
ذكرنا - بين البلغاء والخطباء عندما يخطبون أو يعظون ، يجعلون حِكَمَهُم في جُمَلٍ قصار ذات تسجيع وترصيع ، لتكون أوقع في النفوس وأحفظ وأبقى . كما لم يغفل القضاة منهم أن يُصدروا أحكامهم في الحقوق والجزاء في عبارات مسجوعة شبه مصراع أو مصراعين ، ولعلّه أثبت وأضبط للحفظ . وقد قيل : إنّ ضمر بن ضمرة والأقرع بن حابس وغيرهما درجوا على أن يُصدروا أحكامهم في عبارات وجمل مسجّعة عندما كانوا يجلسون مجلس القضاء « 1 » . وقد شاع السجع بين الكُتّاب والخطباء الإسلاميين شيوعاً بالغاً ، بحيث لا تجد خطيباً ولا كاتباً إسلامياً حاد عن طريقة السجع في الكلام . وهذه خُطب ورسائل وكلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مزدانة بالسجع الرصين ، خالٍ عن التكلّف البادي على أسجاع العرب التي كانت تنبو عنها الأسماع . وأحسن السجع ما درج عليه القرآن الكريم ، ولا سيّما في سوَره القصار المكّية ، ذوات السجعات الرنّانة الأخّاذة بمجامع القلوب ، وسنذكر أنّ السجع زينة للكلام إذا كان على رسله ولم يتكلّف فيه ، وإنّما هو من المذلّل السهل ، التابع للمعاني . والسجع إذا كان على هذا الوصف كان جميلًا ، والقرآن كلّه جميل ، ويناسبه كلّ وسائل الجمال .
--> ( 1 ) . دائرة المعارف الإسلاميّة : ج 11 ص 296 . وراجع البيان والتبيين للجاحظ : ج 1 ص 112 س 20 .