الشيخ محمد هادي معرفة
224
تلخيص التمهيد
يتعاهدها أرباب القلم والبيان ، ولا كان فيه تكلّف سجع الكهّان وهذرهم في سرد ألفاظ وتعابير نابية عن مواضعها ، غير متلائمة مع فحوى الكلام . وليس معنى ذلك أنّ القرآن ابتعد عن جميع أساليب الكلام المعروفة عند العرب ، ليكون غير مألوف بتاتاً ، بل أتى بأسلوب جامع لمحاسن الكلام من غير كلفة ، واتّخذ طريقة في الإفادة والإيفاء ، لم تشذّ عن الطرائق المعهودة ، غير أنّه سلك من كلّ نوع أفضله ، وأخذ من كلّ فضيلة أشرفها ، فكانت فيه خاصّية جميع أنواع الكلام ، من شعر موزون ، ونثر منطلق ، وسجع رصين . فجاء نمطاً جامعاً لمزايا أنواع الكلام ، من غير أن يكون أحدها ، الأمر الذي عجز عنه الأوائل والأواخر سواء . ومن ثم فالقرآن نمط من الكلام ، بديعٌ في سبكه وعجيبٌ في أسلوبه ، لكنّه من جنس الكلام المألوف وإن كان بارعاً في نظمه ورصفه : فإن تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم * فإنّ المسكَ بعضُ دم الغزال « وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » « 1 » . « قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ » « 2 » . إذاً لم يكن القرآن قد ابتعد عن أساليب الكلام المعروفة ، ولم تكن البراعة في الجمع بين مزايا الكلام ممّا يوجب خروجه عن المألوف المعهود . . . الأمر الذي ليس بعزيز في تمايز كلام عن كلام وتفاوت درجات البيان في الإجادة والايفاء . وعليه فلا موضع لقول بعضهم : لو صحّ أنّ نقض العادة بضروب جديدة من قوالب الكلام ، يمكن أن يكون واحداً من أسس إعجاز القرآن ، لصحّ لكُتّاب المسرحيّات أن يزعموا لأنفسهم شيئاً من الإعجاز . لأنّها صورة من صور الأداء الفنيّ لم تكن معروفة أو مألوفة من قبلُ . قال : الرأي عندي أنّ المخالفة في الشكل لا تقتضي لذاتها تفاضلًا . . . ولا يستسيغ الذوق
--> ( 1 ) . النحل : 103 . ( 2 ) . الزمر : 28 .