الشيخ محمد هادي معرفة

216

تلخيص التمهيد

واستعملوا الطويل ، وهذا يدلّك على أنّ البلاغة لا تعبأ بالغرابة ولا تعمل بها شيئاً « 1 » . وبعد ، فالذي جاء منه في القرآن الشيء الكثير ، هو الغريب العذب والوحش السائغ ، الذي أصبح بفضل استعماله ألوفاً ، وصار من بعد اصطياده خلوباً . دون البعيد الركيك والمتوغّر النفور ، الذي لم يأت منه في القرآن شيء . ممّا جاء في كلام أمثال ذاك النحوي المتكلّف عيسى بن عمر . والسبب في ازدحام غرائب الألفاظ وعرائس الكلمات في القرآن هو ارتفاع سبكه عن مستوى العامّة الهابط ، واعتلاء أسلوبه عن متناول الأجلاف المبتذل . القرآن اختصّ بإحاطته على عوالي الكلمات الفُصحى ، وغوالي العبارات العُليا ، لا إعواز في بيانه ولا عجز ولا قصور ، الأمر الذي ينبئك عن علم شامل بأوضاع اللغة وكرائم الألفاظ ، دليلًا على أنّه من ربّ العالمين المحيط بكلّ شيء . هذا أوّلًا . وثانياً : احتواؤه لما في لغات القبائل من عرائس الغرائب ، كانت معهودة في أقطار اختصّت بوضعها ، ومعروفة في أمصار توحّدت في استعمالها ، ومن ثَمَّ كانت غريبة في سائر البقاع والبلدان . وقد استعمل القرآن كلّ هذه اللغات ، فتعارفت القبائل بلغات بعضها من بعض ، وبذلك توحّدت اللغة ، وخَلصت من التشتّت والافتراق ، وهذا من فضل القرآن على اللغة العربية .

--> ( 1 ) . بيان إعجاز القرآن : ص 37 .