الشيخ محمد هادي معرفة
204
تلخيص التمهيد
الوجه في أن لم يقل « قيلَ يا أرضُ ابلعي ماءك فبلعت ، ويا سماء أقلعي فأقلعت » . واختير « غيضَ » على « غيّض » المشدّد ، لكونه أخصر . وقيل « الماء » دون أن يقال « ماء طوفان السماء » . وكذا « الأمر » دون أن يقال « أمر نوح » وهو إنجاز ما كان اللَّه وعد نوحاً من إهلاك قومه ، لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك . ولم يقل « سوّيت على الجودي » بمعنى أقرّت على نحو « قيل » و « غيض » و « قضي » في البناء للمفعول ، اعتباراً لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ » مع قصد الاختصار في اللفظ . ثم قيل « بُعداً للقوم » دون أن يقال « ليبعُد القوم » طلباً للتأكيد مع الاختصار ، وهو نزول « بُعداً » منزلة « ليبعُدوا بُعداً » مع فائدة أخرى ، وهي استعمال اللام مع « بُعداً » الدالّ على معنى أنّ البُعد حقّ لهم . ثم أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتّى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم ، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل . هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم . وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذاك أنّه قد قدّم النداء على الأمر ، فقيل « يا أرضُ ابلعي » و « يا سماء أقلعي » دون أن يقال « أبلعي يا أَرض » و « أقلعي يا سماء » جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة ، من تقديم التنبيه ، ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى ، قصداً بذلك لمعنى الترشيح . ثم قدّم أمر الأَرض على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصّة منزلة الأصل ، والأصل بالتقديم أولى . ثم أتبعهما قوله « وغيض الماء » لاتّصاله بقصّة الماء وأخذه بحجزتها . ألا ترى أصل الكلام « قيلَ يا أرضُ ابلعي ماءك - فبلعت ماءها - ويا سماء أقلعي - عن إرسال الماء