الشيخ محمد هادي معرفة

199

تلخيص التمهيد

جسمه ، ثم تركت هذه الجملة إلى جُملة أخرى أكثر تفصيلًا منها . ( الدرجة الخامسة ) كأنّه قال : أنا وَهنت عظامُ بدني ، فأعطيت مبالغة ، لمّا قدَّم المبتدأ ببناء الكلام عليه ، كما ترى . ( الدرجة السادسة ) كأنّه قال : إِنّي وهنت العظامُ من بدني ، فأضاف إلى نفسه تقريراً مؤكّداً ( بإنّ ) للأمر ، واختصاصها بحاله ، ثمّ تُركت هذه الجملة بجملة غيرها . ( الدرجة السابعة ) كأنّه قال : إنّي وهنت العظام منّي ، فترك ذكر البدن وجمع العظام ، إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ودخوله فيها . ( الدرجة الثامنة ) ترك جمع العظام إلى إِفراد العظم ، واكتفى بإفراده فقال : « إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي » . ( الدرجة التاسعة ) تَرك الحقيقة ، وهي قوله : أشيبُ ، أو شاب رأْسي ، لما علم أنّ المجاز أحسن من الحقيقة ، وأكثر دخولًا في البلاغة منها ، ثم تُركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها . ( الدرجة العاشرة ) أنّه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قوله « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » وهي من محاسن المجاز ، ومن مُثمرات البلاغة ، وبلاغتُها قد ظهرت من جهات ثلاث : الجهة الأولى : إِسنادُ الاشتعال إلى الرأْس لإفادة شمول الاشتمال بجميع الرأس ، بخلاف ما لو قال : اشتعل شيب رأْسي ، فإنّه لا يُؤدِّي هذا المعنى بحال ، ف « اشتعل رأسي » وزَانُ اشتعلت النار في بيتي ، و « اشتعَلَ رأْسي شَيْباً » وزَانُ : اشتعل بيتي ناراً . الجهة الثانية : الإجمال والتفصيلُ في نصب التمييز ، فإنّك إذا نصبت « شَيْباً » كان المعنى مخالفاً لما إذا رفعته ، فقلت : اشتعل شيبُ رأْسي ، لما في النصب من المبالغة دون غيره . الجهة الثالثة : تنكير قوله « شيباً » لإفادة المبالغة ، ثم إنّه ترك لفظ « منّي » في قوله « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » اتِّكالًا على قوله « وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي » ثم إنّه أتى به في الأول بياناً للحال وإرادةً للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه . ثم عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضي ، لما بينهما من التقارب والملاءمة .