الشيخ محمد هادي معرفة
196
تلخيص التمهيد
13 - وأقحم الفصل ، لبيان أنّه المعيّن لهذا النقص والعيب . 14 - وذلك كلّه ، مع علوّ مطلعها وتمام مقطعها ، وكونها مشحونة بالنكت الجليلة ، مكتنزة بالمحاسن غير القليلة ، ممّا يدلّ على أنّه كلام ربّ العالمين ، الباهر لكلام المتكلّمين . فسبحان من لو لم ينزل إلّاهذه السورة الواحدة الموجزة لكفى بها آية معجزة ، ولو همّ الثقلان أن يأتوا بمثلها لشاب الغراب ، وساب الماء كالسراب ، قبل أن يأتوا به . 15 - وفيها أيضاً دلالة على أنّها معجزة وآية بيّنة من وجه آخر ، وهو : أنّه إخبار بالغيب ، من حيث إنّه أخبر عمّا جرى على ألسنة أعدائه ، فكان كما أخبر ، ووافق الخَبَرُ المُخْبَرَ في إعطائه الكوثر ، إذ عَلَت كلمتُه ، وانتشرت في العالم ذرّيته ، وانبتر أمر شانئه الأبتر ، وانقطع ذنبُه وعقبُه كما ذكر « 1 » . دعوة زكريا ربّه هناك وقع دعاء زكريا ربّه - فيما حكى اللَّه سبحانه - : « قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » « 2 » موقع إعجاب وإكبار علماء المعاني والبيان ، بَهرَتهُم لطافة صنعه وإناقة رصفه ، مشتملًا على مزايا ومحاسن جمّة لا يحويها سائر الكلام . وقد تعرّض لها صاحب « الطراز » وعدّد محاسنها درجة درجة حتّى بلغ العشرة عدد الكمال . وقدّم لذلك مقدّمة قال فيها : اعلم أنّ القرآن إنَّما صار معجزاً لكونه دالًاّ على تلك المحاسن والمزايا التي لم يختصّ بها غيره من سائر الكلام ، ولا يجوزُ أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية ، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية ، أو مجردة عنها ، وقد ذهب إلى ذلك أقوامٌ ، وهو فاسد لأمرين ، أمّا ( أوَّلًا ) فلأنَّ الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة إذا وقعت في محلّ ، وغير فصيحة إذا وقعت في محلّ آخر ، فلو كان الأمر في الفصاحة والبلاغة راجعاً إلى مجرّد الألفاظ
--> ( 1 ) . تفسير جوامع الجامع : ص 554 . ( 2 ) . مريم : 4 .