الشيخ محمد هادي معرفة

187

تلخيص التمهيد

وهم بصدد الإيفاء والإيجاز . ذلك أنّ الذي يحدّ من الإجرام على النفوس ويحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص ، وهو قتل خاص ، وليس مطلق القتل بالذي يؤثر في منعه ، بل ربما أوجب قتلات إذا لم يكن قصاصاً . ومع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ « القصاص » جاء قوله تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » « 1 » تعبيراً تامّاً وافية بالمقصود تمام الوفاء . بل وفيها زيادة مزايا شرحها أرباب الأدب والتفسير . قال سيّدنا الطباطبائي - طاب ثراه - : إنّ هذه الآية - على اختصارها وإيجازها ، وقلّة حروفها ، وسلاسة لفظها ، وصفاء تركيبها - لهي من أبلغ التعابير وأرقى الكلمات . فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ، ورقّة الدلالة وظهور المدلول . وقد كان للبلغاء قبلها كلمات وتعابير في وضع قانون القصاص ، كانت تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ، كقولهم : « قتل البعض إحياء للجميع » . وقولهم : « أكثروا القتل ليقلّ القتل » وأعجب من الجميع عندهم قولهم : « القتل أنفى للقتل » . غير أنّ الآية أنست الجميع ، ونفت الكلّ ، « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » فهي أقلّ حروفاً وأسهل تلفّظاً . وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ، دلالة على أنّ الهدف الأقصى أوسع من أمر القصاص وأعظم شأناً ، وهي الحياة ، حياة الإنسان الكريمة . واشتمالها على بيان النتيجة وعلى بيان الحقيقة ، وأنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة ، دون مطلق القتل ، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه من فوائد ولطائف « 2 » . هذا بالإضافة إلى مالتعبير القرآن من محسّنات بديعية باهرة ، ليست في ذلك التعبير العربي . قال ابن الأثير : من الإيجاز ما يسمّى الإيجاز بالقصر ، وهو الذي لا يمكن التعبير عن

--> ( 1 ) . البقرة : 179 . ( 2 ) . تفسير الميزان : ج 1 ص 442 .