الشيخ محمد هادي معرفة
183
تلخيص التمهيد
شواهد من القرآن دقائق ونكات رائعة تلك كانت نبذة من فوارق اللغة ، وقبضة يسيرة من مزايا جمَّة غفيرة ، حُظي بها لسان العرب في القريض والخطاب ، وكانت بها بلاغة البلغاء فائقة ، وفصاحة الفصحاء رائعة ، وامتاز كلام على كلام ، وقصيدة على أختها ، دلالة على سعة الاطّلاع بمزايا اللغة ، ومبلغ الإحاطة بفوارق الأوضاع . وقد امتاز القرآن في هذا الجانب بما فاق سائر الكلام ، وأعجز العرب أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً . وإليك رشفة من ذلك البحر الخِضَمّ ، ورشحة من ذلك الوابل الغزير . تقديم السمع على البصر ومن دقيق تعبيره ، أنك تجد القرآن يذكر السمع مقدّماً على البصر في عديد من الآيات « 1 » « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 2 » . وهي مسألة يعرف سرّها الآن علماء التشريح ( الفسيولوجيا ) ويدركون أنّ جهاز السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز الإبصار . ويمتاز عليه بإدراك المجرّدات كالموسيقى ، وإدراك التداخل مثل حلول عدة نغمات داخل بعضها بعضاً ، مع القدرة على تمييز كلّ نغمة على انفراد ، كما تميّز الامّ صوت بكاء ابنها من بين زحام هائل من أصوات متداخلة . يتمّ هذا في لحظة زمن . . . أمّا العين فهي تتوه في زحام التفاصيل ولا تعثر على ضالّتها . يتوه الابن عن عين امّه في الزحام ولا يتوه عن سمعها . والعلم يمدّنا الآن بألف دليل على تفوّق معجزة
--> ( 1 ) . في أكثر من خمسة وعشرين موضعاً : البقرة : 7 و 20 ، النساء : 58 و 138 ، الأنعام : 46 ، يونس : 31 ، هود : 20 ، النحل : 78 و 108 ، الإسراء : 1 و 36 ، طه : 46 ، الحجّ : 61 و 75 ، المؤمنون : 23 ، لقمان : 28 ، السجدة : 9 ، غافر : 20 و 56 ، فصّلت : 20 و 22 ، الشورى : 11 ، الأحقاف : 26 ، المجادلة : 58 ، الملك : 23 ، الإنسان : 2 . ( 2 ) . النحل : 78 .