الشيخ محمد هادي معرفة

176

تلخيص التمهيد

سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادي آية ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كلّ مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام ، وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كلّ حجة وبرهان ، وصفة وتبيان ، وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشراً عشراً وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة يُنكر شأنها أو يُرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى أو أخلق ، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاماً والتئاماً ، وإتقاناً وإحكاماً ، لم يدع في نفس بليغ منهم - ولو حكّ بيافوخة السماء « 1 » موضع طمع ، حتّى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول ، وخلدت القروم « 2 » فلم تملك أن تصول « 3 » . زيادة المباني تستدعي زيادة المعاني قاعدة كليّة مطّردة تدعمها حكمة الوضع ، على ما سلف في كلام أبي هلال العسكري ، إذ ليست الأوضاع سوى دلائل وإشارات إلى المعاني والمرادات ، ولولا اختصاص كلّ لفظة - في مادّتها وهيأتها - بمعنى من المعاني ، فلا تتعدّاه إلى غيره كما لا يدلّ عليه غيرها ، لانتفت فائدة الوضع ، وعاد محذور الإبهام والترديد - كما في الاشتراك - أو نقض حكمته - كما في المترادفات - بعد الاستغناء عن الوضع الثاني بالوضع الأوّل ، وهو عبث ولغو . وعليه فكلّ تصريف في الكلمة أو تغيير في حركتها فإنّما هو للدلالة على معنى جديد لم يكن فيما قبل ، فمثل « ضرّ » و « أضرّ » لابدّ أن يختلف معناهما ، كما هو كذلك ، فالأوّل للدلالة على إيقاع الضرر به سواء قصده أم لم يقصده ، والثاني إيقاعه عن عمد وقصد . يقال : ضرّه ، وهو بمعنى ضدّ نفعه . وأضرّه : جلب عليه الضرر ، كمن حاول تمهيد أسباب مؤاتية

--> ( 1 ) . اليافوخ : عظم مقدم الرأس ، والمثال كناية عن الشموخ بالرأس تكبّراً . ( 2 ) . القرم : العظيم الشأن ، يقال : خلد بالمكان أي أقام به ، وخلد بالأرض : لصق بها ، كناية عن المسكنة والخمول . ( 3 ) . دلائل الإعجاز : ص 28 .