الشيخ محمد هادي معرفة

166

تلخيص التمهيد

قلت : ولعلّ صاحبنا هذا هو ناقف حنظل هواجسه ، فجعل يهذو عن أبيات لا عذوبة فيها ولا رَوعة ولا جمال ، وإنّما هي بيداء قاحلة لا غضاضة فيها ولا طراوة . والمعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عاميّ مسترسل . وذكر ابن رشيق ، بشأن المبالغة : أنّ الناس مختلفون فيها ، فمنهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها ويراها الغاية القصوى في الجودة ، كما قيل : أشعر الناس من استجيد كذبه « 1 » ومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيباً وهُجنةً في الكلام . فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذّاق : التقصّي ، وهو بلوغ الشاعر أو المتكلّم ما يمكن من وصف الشيء ، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي : ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث كانا ومن أغربها أيضاً ترادف الصفات ، وفي ذلك تهويلٌ مع صحّة لفظ لا تحيل معنىً ، كقول اللَّه تعالى : « أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » « 2 » . فأمّا الغلوّ فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة ، ويقع فيه الاختلاف ، من ذلك قول امرئ القيس : كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام * وريحَ الخزامى ونشرَ القُطُر يُعَلُّ به بردُ أنيابها * إذا غرّد الطائر المستحر فوصف فاها بهذه الصفة سحراً عند تغيّر الأفواه بعد النوم ، فكيف تظنّها في أوّل الليل ؟ فقد بالغ وأتى بالمستحيل ، فكان كذباً صريحاً وهجنةً في الكلام « 3 » .

--> ( 1 ) . نسبه ابن رشيق إلى نابغة بني ذبيان . ( 2 ) . النور : 40 . ( 3 ) . العمدة لابن رشيق : ج 2 ص 55 - 56 .