الشيخ محمد هادي معرفة

16

تلخيص التمهيد

والإشادة بمبانيها ، مبلغ الكمال بما لم تبلغه في أيّ عصر من العصور . كانت لهم أندية وأسواق « 1 » يجتمع إليها فصحاؤهم ، خطباءً وشعراءً ، يعرضون فيها أنفس بضائعهم وأجود صنائعهم ، ألا وهي بضاعة الكلام وصناعة الشعر والبيان ، كانوا يتبارون فيها ، وينقدون ويتفاخرون ، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس . حتى إذا ظهرت فيهم الدعوة ونزل القرآن فما أن تليت عليهم آياته إلّاوالأسواق قد تعطّلت والأندية قد انفضّت ، وقد خلت الديار إلّامن رنّة صوت القرآن . وقد زحفهم ببراعته وهزمهم بصولته ، فلم يستطيعوا مباراته ولم يقدروا على مجاراته ، ففضّلوا الفرار على القرار ، واستغشوا على رؤوسهم ثوب العار . ذلك على أنّه لم يسدّ عليهم باب المعارضة ،

--> ( 1 ) . كانت على مقربة الطائف سوق تجتمع إليها العرب في الأشهر الحرم - حيث الأمان المؤقّت - فينصبون خيامهم بين نخيله‌في مكان يسمّى « عكاظ » وكانت العرب تقصدها في طريقها إلى الحجّ ، فيجتمعون منه في مكان يقال له « الابتداء » وقد اتّخذتها العرب سوقاً بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة ، أي قبل مبعث النّبيّ صلى الله عليه وآله بخمس وعشرين عاماً ( سنة 540 للميلاد ) وكانت وفود العرب تتوافد إليها من كلّ صوب . وزادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مسرحاً للأدب والشعر ، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء وخطباء ، فيتناشدون ويتفاخرون وكانوا يعرضون فيها نخب قصائدهم على نقدة القريض والكلام ، ويكون لذلك احتفال حاشد يشهده جماهير العرب ، فتشيع قصائدهم ويترنّم بها الركبان في كلّ صقع . وبقيت سوق عكاظ بعد الإسلام معرضاً يتبادل فيه السلع ، حتى نهبها الخوارج الحرورية حين خرجوا بمكة مع المختار بن عوف سنة ( 129 ه ) . وكانت لهم أسواق اخر تبلغ العشرة كانت تقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة ، وكانت تحت خفارات منتظمة في حمايات معيّنة ، ذكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه : ج 1 ص 239 . وكانت لهم أيضاً مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والبحث عن بعض شؤونهم العامة ، وكانوا يسمّون تلك المجالس ب « الأندية » ومنها نادي قريش ودار الندوة بجوار الكعبة . وكان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فناء بين يديه للاجتماع ، ولكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب . على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا وتبادلوا سلع الكلام وصناعات القريض والبيان . ( انظر تاريخ الآداب العربيّة : ج 1 ص 195 ، وتاريخ التمدّن الإسلامي : ج 1 ص 37 كلاهما لجرجي زيدان ، ودائرة المعارف لفريد وجدي : ج 6 ص 535 ) .