الشيخ محمد هادي معرفة

108

تلخيص التمهيد

عليَّ ، ثمّ جاء فقلت : ما صنعت ؟ قال : لقيت رجلًا بمكّة على دينك - ( إذ كان أبو ذر يصلّي إلى ربّه منذ ثلاث سنين ) - يزعم أنّ اللَّه أرسله . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون شاعر ، كاهن ، ساحر . قال أبو ذر - وكان أنيس أحد الشعراء - : قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشِعر ، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شِعر ! واللَّه إنّه لصادق ، وإنّهم لكاذبون . قوله : أقراء الشعر أي أوزانه وقوافيه « 1 » . ثلاثة من أشراف قريش يتسلّلون بيت الرسول كانت قريش ربّما تتسلّل ليلًا إلى استماع القرآن من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أو أحد أصحابه لترى ما في هذا الكلام من سرّ التأثير ، فقد اتّفق أنّ أبا سفيان بن حرب « 2 » وكذا أبو جهل بن هشام والأخنس بن شريق الثقفي - وكان لمّاذاً خبيثاً يتظاهر بغير ما يبطنه - خرجوا ليلًا إلى بيته صلى الله عليه وآله من غير أن يعلم كلّ بصاحبه . فجلس كلّ واحد في مخبئه لا يعلم به أحد حتّى مطلع الفجر ، يستمعون إلى قرآنه وهو قائم يصلّي في بيته ، وعند الصباح أخذ كلّ منهم طريقه إلى بيته ، حتّى إذا جَمَعهم الطريق فشلوا وتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا لمثل ذلك ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ، وكان ذلك تأييداً لموضع محمّد ، ثمّ انصرفوا ، ولكن من غير أن ينقضي عجبهم أو يرتوي ظمأهُم إلى استماع هذا الكلام السحريّ العجيب ، ومن ثمّ عادت مسيرتهم في الليلة الثانية والثالثة ، وفي كلّ ليلة يفتضحون عند الصباح ، حتّى تعاهدوا فيما بينهم أن لا يعودوا أبداً . وفي صباح اليوم الثالث جاء الأخنس إلى أبي سفيان يسترئيه فيما سمعه من محمّد صلى الله عليه وآله ، فقال : واللَّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها ! فقال الأخنس : وأنا كذلك ، والذي حلفت به !

--> ( 1 ) . الشفاء للقاضي عياض : 224 ، شرح الشفاء للملّا علي القاري : ج 1 ص 320 طبع إسلامبول 1285 ه . راجع صحيح مسلم : ج 7 ص 153 ، والمستدرك للحاكم : ج 3 ص 339 ، والإصابة : ج 1 ص 76 وج 4 ص 63 . ( 2 ) . ويروى مكان أبي سفيان : الوليد بن المغيرة . قال الرفاعي : وهؤلاء الثلاثة من بلغاء قريش الذين لا يعدل بهم في البلاغةأحد . ( إعجاز القرآن - في الهامش - : ص 213 ) .