الشيخ محمد هادي معرفة

53

تلخيص التمهيد

نقد الحديث سنداً تلك أسطورة الغرانيق ، مفتراة على النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله ، وقد أولع المستشرقون والطاعنون في الدين الإسلامي الحنيف بهذه الأسطورة المصطنعة وأذاعوها وأثاروا حولها عجاجة من القول البذيء « 1 » في حين أنَّها أكذوبة مفتعلة ، صنعتها قرائح القصّاصين ، ونسبوها إلى بعض التابعين ومن الصَّحابة إلى ابن عبّاس ، ودلائل الكذب والافتراء بادية على مُحيّاها القذر . أوّلًا : لم يتَّصل تسلسل سند الحديث إلى صحابيّ إطلاقاً ، وإنَّما اسند إلى جماعة من التابعين ومن لم يدرك حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وعليه فالحديث مرسل غير موصول السند إلى من شاهد القضيَّة - فرضاً - . وأمّا النسبة إلى ابن عبّاس فلا تقلّ عن غيرها ، بعد أن كانت ولادة ابن عبّاس في السنة الثالثة قبل الهجرة ، فلم يشهد القصَّة بتاتاً ، وإنّما نقلت إليه . فالرواية من جميع وجوهها غير موصولة الإسناد إلى شهود القصّة لو صحَّت الواقعة . وقواعد فنّ التمحيص في إسناد الروايات تأبى جواز الاحتجاج بمثل هذا الحديث المرسل . ثانياً : شهادة جلّ أئمّة الحديث بكذب هذا الخبر ، وأنَّ الطّرق إليه ضعاف واهية ، فهو فيما يشتمل عليه من السند أيضاً ساقط في نظر الفنّ . قال ابن حجر : وجميع الطرق إلى هذه القصَّة - سوى طريق ابن جبير - إمّا ضعيف ( يكون الراوي غير موثوق به أو مرمياً بالوضع والكذب ) أو منقطع ( أي كانت حلقة الوصل بين الراوي الأوّل والراوي الأخير مفقودة ) « 2 » . وسنذكر أنَّ بلاء طريق ابن جبير هو الإرسال والضعف أيضاً . وقال أحمد بن الحسين البيهقي - أكبر أئمّة الشافعيَّة ، مشهوراً بدقَّة النقد والتَّمحيص - : هذا الحديث من جهة النقل غير ثابت ورواته مطعون فيهم « 3 » .

--> ( 1 ) انظر تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان : ص 34 . ( 2 ) فتح الباري بشرح البخاري : ج 8 ص 333 . ( 3 ) تفسير الرازي : ج 23 ص 50 .