الشيخ محمد هادي معرفة

46

تلخيص التمهيد

اليسرى . فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فجلس عليها . فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحوَّل واقعد على فخذي اليمنى . فتحوَّل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فجلس عليها . فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحوَّل واجلس في حجري ، فتحوَّل وجلس في حجرها ، ثمَّ تحسَّرت « 1 » وألقت خمارها ، ورسوله اللَّه صلى الله عليه وآله جالس في حجرها . فقالت : هل تراه يا ابن عمّ ؟ قال : لا . فقالت : يا ابن عمّ ، أبشر وأثبت ، فواللَّه إنَّه لملَك وما هو بشيطان . ثمَّ توكيداً لما استنتجته من تجربتها ، انطلقت إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل وكان متنصِّراً قارئاً للكتب ، فقصَّت عليه خبر ابن عمِّها محمَّد صلى الله عليه وآله ، فقال ورقة : قدّوس قدّوس . لئن كنت صدقتني يا خديجة ، فقد جاءه الناموس الأكبر الَّذي كان يأتي موسى . فقولي له : فليثبت . وأنَّه لنبيُّ هذه الامَّة . ولوددت أن أدرك أيَّامه فاؤمن به وأنصره . فعادت خديجة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأخبرته بما قال ، فعند ذلك اطمأنَّ باله ، وذهبت روعته ، وأيقن أنَّه نبي « 2 » . * * * قلت : لا شكَّ أنَّ قصَّة ارتياع النبيّ صلى الله عليه وآله بتلك الصورة الفظيعة أسطورة خرافة حاكتها عقول ساذجة جاهلة بمقام أنبياء اللَّه الكرام . ومن ثمَّ فهي إزراء بشأنهم الرفيع ، وحطّ من منزلتهم الشامخة ، إن لم تكن ضعضعة بأقوى دعامة رسالة اللَّه ! . أوّلًا : النبي صلى الله عليه وآله أكرم على اللَّه من أن يروِّعه في ساعة حرجة هي نقطة حاسمة في حياة رسوله الكريم ، هي نقطة تحوّل عظيم ، من إنسان كامل كان مسؤول نفسه ، إلى إنسان رسول هو مسؤول امَّة بأجمعها ، كان قبل أن يصل إلى موقفه هذا العصيب يسير قُدُماً إلى قمَّة الاكتمال الإنسانيّ الأعلى ، في سفرة خطرة كان مبدأها الخلق ومنتهاها الحقّ تعالى . فكان يسير من الخلق إلى الحقّ ، والآن وقد وصل القمَّة ، فعاد من الحقّ ، حاملًا للحقّ إلى

--> ( 1 ) اي كشفت عن نفسها . ( 2 ) راجع سيرة ابن هشام : ج 1 ص 252 - 255 ، صحيح البخاري : ج 1 ص 3 - 4 ، صحيح مسلم : ج 1 ص 97 - 99 ، تاريخ الطبري : ج 2 ص 298 - 303 ، تفسيره : ج 30 ص 161 ، حياة محمّد لهيكل : ص 95 - 96 .