الشيخ محمد هادي معرفة
441
تلخيص التمهيد
في العلم بأنَّهم يقولون : آمنّا به . وقال في أوَّل سورة البقرة : « فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » « 1 » . فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالِمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل ، لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأنَّ كلَّ من عرف شيئاً على سبيل التَّفصيل ، فإنَّه لابدَّ أن يؤمن به . إنَّما الراسخون في العلم هم الَّذين علموا بالدلائل القطعية أنّ اللَّه تعالى عالمٌ بالمعلومات الَّتي لا نهاية لها ، وعلموا أنَّ القرآن كلام اللَّه تعالى ، وعلموا أنَّه لا يتكلَّم بالباطل والعبث . فإذا سمعوا آية ودلَّت الدلائل القطعية على أنَّه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً للَّه تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثمَّ فوَّضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأنَّ ذلك المعنى - أيّ شيء كان - فهو الحقّ والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم باللَّه ، حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين ، عن الإيمان باللَّه والجزم بصحَّة القرآن « 2 » . قلت : ليس كلّ من عرف الحقّ اعترف به وأذعن له ، قال : تعالى : « يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ » « 3 » . هذا ، والمدح على الإيمان عن بصيرة أولى من المدح على إيمان أعمى . قال الإمام البيضاوي : مدح الراسخين في العلم بجودة الذهن وحسن النظر وإشارة إلى ما استعدّوا للاهتداء به إلى تأويله ، وهو تجرّد العقل عن غواشي الحسّ « 4 » . والتقييد بالجملة الحالية هنا جاء للإشارة إلى نكتة دقيقة هي : أنّ المتشابه متشابه على كلّ من العالِم والجاهل جميعاً ، سوى أنّ العالِم بفضل عِلمه بمقام حكمته تعالى يجعل من المتشابه موضع تأمّله ودقيق نظره ، وبذلك يتوصّل إلى معرفة تأويله الصحيح في نهاية المطاف . توضيح ذلك : أنّ الناس تجاه المتشابه ثلاث فرق : فرقة تستريح إلى ظاهره ، وهم غالبية العامَّة ممَّن لا معرفة له بأصول معارف الإسلام الجليلة . وفرقة تعمد إلى المتشابه عن قصد
--> ( 1 ) البقرة : 26 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 7 ص 177 . ( 3 ) النحل : 83 . ( 4 ) أنوار التنزيل : ج 2 ص 5 .