الشيخ محمد هادي معرفة
44
تلخيص التمهيد
والدلائل على أنَّه صلى الله عليه وآله منذ بدايته كان مورد لطفه تعالى وعنايته الخاصَّة كثيرة ، وقد عرف قومه فيه النبوغ والجدارة الذاتية ، ولمسوا فيه الصدق والأمانة والذكاء والفطنة ، فوجدوه مزيجاً من الاستقامة وحصافة العقل ، حتّى حبِّب إلى الناس جميعاً ولقَّبوه بالصادق الأمين ، أميناً في رأيه ، وأميناً في سلوكه . وكان قُبيل بعثته تظهر له علائم النبوَّة ، فقد ظهرت آياتها قبل ثلاث سنوات من بعثته وهو في سنِّ السابع والثلاثون - كما في رواية عليِّ بن إبراهيم القمّي « 1 » - فكان يرى الرؤيا الصادقة ، وكان يختلي بنفسه في غار حراء ، متفكّراً في أسرار الملكوت ، متعمِّقاً في ذات اللَّه ، متطلِّعاً سرَّ الخليقة ، حتّى فجاءه الحقُّ وقد بلغ سنَّ الأربعين . فقد كان ممهِّداً نفسه لذلك ، عارفاً بسمات أمر قد أشرفت طلائعه منذ حين . وهكذا إنسان لا يفزع ولا يفرق ولا يظنّ بنفسه الجِنَّة أو عارضة سوء ، ليلتجئ إلى امرأة لا عهد لها بأسرار النبوّات أو رجل « 2 » كان حظّه من العلم أن قرأ كتباً محرَّفة وآثاراً بائدة ، لم يثبت آنذاك أنَّه لمس حقائق ومعارف من الملك والملكوت كانت موجودة فيها لحدّ ذاك غير ممسوخة عن فطرتها الأولى . على أنَّ النبيّ محمَّداً صلى الله عليه وآله كان أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين وخاتم سفراء ربِّ العالمين ، فكان أكرم عليه تعالى من أن يتركه ونفسه يتلوّى في أحضان القلق والاضطراب ، خائفاً على نفسه مسَّ جنون أو الاستحواذ على عقله الكريم على ما جاءت في روايات آتية لا قيمة لها عندنا . إذاً فقد كان موقف النبي صلى الله عليه وآله تجاه نزول الحقِّ عليه - في بدء البعثة - موقف إنسان واعٍ بجليِّ الأمر ، عارف بحقيقة الحقّ النازل عليه ، في اطمئنان بالغ وسكون نفس وانشراح صدر ، لم يتردَّد ولم يشكَّ ولم يضطرب ، كما لم يفزع ولم يفرق . وسنذكر قصَّة بدء البعثة على ما جاءت في روايات أهل البيت عليهم السلام وهي تشرح جوانب من موقف النبي صلى الله عليه وآله آنذاك ملؤها عظمة وإكبار وابّهة وجلال .
--> ( 1 ) المصدر : ص 184 . ( 2 ) هو ورقة بن نوفل ابن عم خديجة ، تأتي قصّته في الصفحة القادمة .