الشيخ محمد هادي معرفة

437

تلخيص التمهيد

الحكيم . وأيضاً ، لو كانت الآي المتشابهة ممّا لا يعرف تأويلها إلّااللَّه لأصبح قسط كبير من آي القرآن لا فائدة في تنزيلها سوى ترداد قراءتها ، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ويلٌ لمن لاكها بين لحييه ثمَّ لم يتدبَّرها . وقال تعالى : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ » « 1 » . ولنفرض أنَّ الامَّة - عندما وقفت على آية متشابهة - راجعت علماءها في فهم تلك الآية ، فأبدوا عجزهم عن معرفتها ، فذهبوا والعلماء معهم إلى أحد الأئمَّة خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله فكان الجواب : اختصاص علمها باللَّه تعالى ، لكنَّهم لم يقتنعوا بهذا الجواب ، فهبّوا جميعاً إلى حضرة الرسول صلى الله عليه وآله ضارعين سائلين : ما تفسير آية أنزلها اللَّه إليك لنتدبَّرها ؟ فإذا النبي صلى الله عليه وآله لا يفترق عن آحاد امَّته في الجهل بكتاب اللَّه العزيز الحميد ! أوَ ليست الأمم تسخر من امّة عمَّها وعلماءها وأئمَّتها ونبيَّها الجهل بكتابها الذي هو أساس دينها مع الخلود ؟ ! اللّهمَّ إن هذا إلّازعم فاسد وحطّ من كرامة هذه الامَّة المفضَّلة على سائر الأمم بنبيِّها العظيم وكتابها الكريم . أوَ ليس النبي صلى الله عليه وآله هو الَّذي أرجع امَّته إلى القرآن إذا ما التبست عليهم الأمور كقطع الليل المظلم « 2 » ؟ فبماذا يرجعون إذا التبس عليهم القرآن ذاته ؟ ! وأخيراً ، فإنّا لم نجد من علماء الامّة - منذ العهد الأوّل فإلى الآن - مَن توقَّف في تفسير آية قرآنيَّة بحجة أنَّها من المتشابهات لا يعلم تأويلها إلّااللَّه . وهذه كتب التفسير القديمة والحديثة طافحة بأقوال المفسِّرين في جميع آي القرآن بصورة عامَّة ، سوى أنَّ أهل الظاهر يأخذون بظاهر المتشابه ، أمّا أهل التمحيص والنظر فيتعمَّقون فيه ويستخرجون تأويله الصحيح ، حسبما يوافقه العقل والنقل الصريح .

--> ( 1 ) ص : 29 . ( 2 ) راجع الكافي الشريف : ج 2 ص 599 .