الشيخ محمد هادي معرفة
423
تلخيص التمهيد
وهذا المنهج الَّذي انتهجه الفيلسوفان في توجيه وجود المتشابه في القرآن معالجة للقضية في بعض جوانبها ، وهي الآيات المتشابهة المرتبطة مع مسألة المبدأ والمعاد ، وليس علاجاً حاسماً للمادَّة من جذورها ، إذ تبقى آيات الخلق والتقدير ، والقضاء والقدر ، والجبر والاختيار ، والعدل والعصمة ، وما شاكل ، خارجة عن إطار هذا العلاج . أمّا العلاج الحاسم لمادّة الإشكال في كلّ جوانب المسألة فهو أنّ وقوع التشابه في مثل القرآن - الكتاب السماوي الخالد - شيء كان لا محيص عنه ، ما دام كان يجري في تعابيره الرقيقة مع أساليب القوم ، في حين سموّ فحواه عن مستواهم الهابط . القرآن جاء بمفاهيم حديثة كانت غريبة عن طبيعة المجتمع البشري آنذاك ، ولا سيَّما جزيرة العرب القاحلة عن أنحاء الثقافات ، في حين التزامه في تعبيراته الكلامية نفس الأساليب الّتي كانت دارجة ذلك العهد ، الأمر الَّذي ضاق بتلك الألفاظ ، وهي موضوعة لمعانٍ مبتذلة وهابطة إلى مستوى سحيق من أن تحيط بمفاهيم هي في درجة راقية وبعيدة الآفاق . كانت الألفاظ والكلمات الَّتي كانت العرب تستعملها في محاوراتها محدودة في نطاق ضيِّق حسبما كانت العرب تألفه من معانٍ محسوسة أو قريبة من الحسّ ومبتذلة إلى حدّ ما . فجاء استعمالها من قبل القرآن - الكتاب الَّذي جاء للبشريَّة على مختلف مستوياتهم مع الأبديّة - غريباً عن المألوف العام . ومن ثمَّ قصرت أفهامهم عن إدراك حقائقها ما عدا ظواهر اللفظ والتعبير . إذ كانت الألفاظ تقصر بالذات عن أداء مفاهيم لم تكن تطابقها ، ومن ثمَّ كان اللجوء إلى صنوف المجاز وأنواع الاستعارات ، أو الإيفاء بالكناية ودقائق الإشارات ، الأمر الَّذي قرَّب المفاهيم القرآنية إلى مستوى أفهام العامَّة من جهة ، وبعَّدها من جهة أخرى . قرَّبها من جهة إخضاعها لقوالب لفظية كانت مألوفة لدى العرب ، وبعَّدها حيث سموّ المعنى . كان يأبى الخضوع لقوالب لم تكن موضوعة لمثله ، كما كان يأبى النزول مع المستوى الهابط مهما بولغ في إخضاعه ، إذ اللفظ يقصر عن أداء مفهوم لا يكون قالباً له ولا يتطابقه تماماً . هذا هو