الشيخ محمد هادي معرفة
41
تلخيص التمهيد
النبوَّة مقرونة بدلائل نيِّرة يجب على اللَّه - وجوباً منبعثاً من مقام لطفه ورأفته بعباده - أن يقرن تنبيئه إنساناً بدلائل نيّرة لا تدع لمسارب الشكّ مجالًا في نفسه ، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، ليكون من الموقنين « 1 » . وكما « نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » « 2 » . « يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . . . يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ » « 3 » . هذا هو مقتضى قاعدة اللطف ، وقد بحث عنها علماء الكلام « 4 » ، وتتلخّص في تمهيد سبيل الطاعة . فواجب عليه تعالى أن يمهِّد لعباده جميع ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعّدهم عن المعصية . وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد ، وإلّا كان نقضاً لغرضه من التكليف . ومن ثمَّ وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأمم ما ينير لهم درب الحياة ، إمّا إلى سعادة فباختيارهم ، أو إلى شقاء فباختيارهم أيضاً « 5 » . وطبقاً لهذه القاعدة لا يدع تعالى مجالًا لتدليس أهل الزيغ والباطل ، إلّاويفضحهم من فورهم « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » « 6 » فالحقّ دائماً يعلو ولا يُعلى عليه ، والحقّ والباطل دائماً على وضح الجلاء ، لا يكدِّر وجه الحقّ غبار الباطل أبداً « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ » « 7 » . « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » « 8 » وهذا إِنَّما هو نصر واعتلاء مبدئي ، فالحقّ دائماً ظاهر منصور ، وإنَّ رسالة الأنبياء دائماً تكون هي الغالبة الظافرة « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا
--> ( 1 ) مقتبس من الآية 75 من سورة الأنعام . ( 2 ) طه : 11 و 12 . ( 3 ) النمل : 9 و 10 . ( 4 ) علم منشعب عن الفلسفة الحكمية ، يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد في ضوء العقل وإرشاد الشريعة . ( 5 ) راجع شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة الحلّي : ص 181 . ( 6 ) الحاقّة : 44 - 46 . ( 7 ) الأنبياء : 18 . ( 8 ) غافر : 51 .