الشيخ محمد هادي معرفة
401
تلخيص التمهيد
الشبهة الرابعة : ما هي الحكمة وراء ثبت آية في المصحف هي منسوخة الحكم لتبقى مجرَّد ألفاظ يلوكها القرّاء عبر القرون ؟ ! ( الجواب ) : الحكمة في وجود هكذا آيات منسوخة في القرآن هي الوقوف على مرونة الشريعة واتّباع سياسة المجاراة مع حركة الزمان ، ولاسيّما في بدء تشريعها ومجابهة الصعوبات في طريق تنفيذها ومكافحتها تدريجيّاً . الأمر الذي كابده الإسلام . ذلك أنّ الأُمّة الإسلاميّة في بدايتها - حين صدعها الرسول بدعوته - كانت تعاني فترة انتقال شاقٍّ ، خصوصاً مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام ، من التحمّس لما يعتقدون أنّه من مفاخرهم وأمجادهم . فلو أخذوا بهذا الدين الجديد فُجاءةً ، لأدّى ذلك إلى نقيض المقصود ، ولفشلت الدعوة منذ بزوغها . لأنّ الطفرة ، من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان . من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مَهَل ، متألّفة لهم ، متلطّفة في دعوتهم ، متدرّجة بهم إلى الكمال رويداً رويداً ، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل . ومن السهل إلى الصعب ، ومن الصعب إلى الأصعب ، حتى تمّ الأمر ونجح الإسلام نجاحاً باهراً . خذ لذلك مثلًا تدريجيّة تحريم الخمر ، وموقف الإسلام الحكيم تجاه مشكلة عرب الجاهليّة بالأمس . مشكلة يحتسّونها بصورة تكاد تكون إجماعيّة ، ويأتونها لاعلى أنّها مجرّد عادة ، بل على أنّها أمارة القوّة ومظهر الفتوّة وعنوان الشهامة ! فهل من المعقول أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها ، لو لم يتألّفهم ويتلطّف بهم ، كأنّه يشاركهم في شعورهم ، وفي حدّ أنّه أبى أن يحرّمها عليهم في وقت ربما استعدّت فيه بعض النفوس لتسمع كلمة التحريم حين سألوه صلى الله عليه وآله « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ » « 1 » ! وهكذا فليعمل الدعاة إلى الإسلام ، في قمع مناشئ الفساد والحؤول دون تفشيّه بين العباد .
--> ( 1 ) المائدة 5 : 90 .