الشيخ محمد هادي معرفة

399

تلخيص التمهيد

عن نشأة رأي جديد ، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدء الأمر ، والحال أنَّ علمه تعالى أزليّ ، لا يتبدَّل رأي ولا يتجدَّد له علم . فلا يُعقل وقوفه تعالى على خطأه في تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد . الجواب : أنَّ النسخ كالبداء ليس على معناه الحقيقي الَّذي هو عبارة عن نشأة رأي جديد ، وإنَّما هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم ، لمصلحة في هذا الإخفاء في بدء الأمر ، حسبما تقدّم تحقيقه . فالشارع تعالى يشرِّع حكماً يكون بظاهره الدوام والاستمرار ، حسبما ألفه الناس من دوام الأحكام المطلقة ، لكنَّه في الواقع كان من الأوَّل محدوداً بأمد ، معلوم لديه تعالى ، ولم يظهره للناس إلّابعد انتهاء الأمد المذكور ، لمصلحة في ذلك الإخفاء وفي هذا الإظهار المتأخّر . ولعلَّ معترضاً يقول : لماذا كان تحديد في الأحكام ، فإذا كانت في أصل تشريع الحكم مصلحة فلتقتض الدوام ، وإن لم تكن مصلحة فلا مقتضى لأصل التشريع . قلنا : إنَّ المصالح تختلف حسب الظروف والأحوال ، كوصفات طبيب حاذق تختلف حسب اعتوار أحوال المريض واختلاف بيئته والمحيط الَّذي يعيش فيه ، فربَّ مصلحة تستدعي تشريعاً متناسباً مع بيئة خاصّة وفي مستوى خاصّ ، فإذا تغيّرت الواقعية فإنَّ المصلحة تستدعي تبديل تشريع سابق إلى تشريع لاحق يلتئم مع هذا الأخير . وأمّا لماذا لم ينبّه الشارع تعالى على هذا التحديد من أوَّل الأمر ؟ فلعلَّ هناك مصلحة مستدعية لهذا الإخفاء ، منها توطين نفوس مؤمنة وترويضها على الطاعة والانقياد ، ولا سيَّما إذا كان التشريع الأوَّل أشدَّ وأصعب ، فيتبدَّل إلى تشريع أسهل وأخفّ ، تسهيلًا على الامَّة وتخفيفاً عليهم ، رحمة من اللَّه . الشبهة الثانية : إنَّ وجود آية منسوخة في القرآن ربَّما يسبِّب اشتباه المكلَّفين ، فيظنّونها آية محكمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها ، الأمر الَّذي يكون إغراء الجهل ، وهو قبيح . الجواب : أنَّ مضاعفات جهل كلِّ إنسان تعود إلى نفسه ، ولم يكن الجهل يوماً مّا عذراً