الشيخ محمد هادي معرفة

389

تلخيص التمهيد

كيف يقول : لا حاجة إليها وهي سند حكم تشريعيّ ثابت ! ثمَّ كيف لا يعلم بالآية أحد من كتبة الوحي ولم يكتبوها سوى أنَّها كُتبت في صحيفة وأودعت عند عائشة فحسب ، وكيف أنَّها تركتها تحت سريرها ليأكلها داجن البيت ؟ ! كلُّ ذلك لغريب يستبعده العقل السليم . والَّذي غرَّ هؤلاء : أنَّها أحاديث جاءت في الصحاح الستَّة وغيرها « 1 » ، ولابدَّ لهم - وهم متعبِّدون بما جاء فيها - أن يتقبَّلوها على علاتها مهما خالفت أساليب النقد والتحقيق . هذا ، وقد أكثر جلال الدين السيوطي من نقل هكذا روايات ساقطة « 2 » ، ومن قبله شيخه بدر الدين الزركشي ، ولكن مع شيء من الترديد « 3 » وقد أخذها بعض الكاتبين المحدّثين أدلَّة قاطعة من غير تحقيق . قال - متشدّقاً - : وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى ، ثبت جوازهما ، لأنَّ الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرَّر . وإذاً بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع كأبي مسلم ومن لفَّ لفَّه ، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل ، وهم فريق من المعتزلة شذَّ عن الجماعة ، فزعم أنَّ هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلًا « 4 » . قلت : ما أشرف حكم العقل لولا أنَّ أمثال الزرقاني حصروه في أصحاب الاعتزال ، وجعلوا من أنفسهم بمعزل عن نور العقل الحكيم . وأمّا الأستاذ العريض فقد ذهب هنا مذهباً تحقيقياً وأسهب في الردّ على هذا القول الفاسد دفاعاً عن كرامة القرآن . ونقل عن جماعة من معاصريه مواكبته على هذا الرأي السديد « 5 » .

--> ( 1 ) راجع صحيح البخاري : ج 8 ص 209 - 210 ، وصحيح مسلم : ج 5 ص 116 وج 4 ص 167 ، والمستدرك : ج 4 ص 359 ، ومسند أحمد : ج 1 ص 23 وج 2 ص 43 ، وسنن الترمذي : ج 4 ص 39 وج 3 ص 456 . ( 2 ) راجع الإتقان : ج 3 ص 72 - 75 ، والدرّ المنثور : ج 4 ص 366 في تفسير آية من سورة الحجّ . ( 3 ) راجع البرهان : ج 2 ص 35 - 37 . ( 4 ) راجع مناهل العرفان للزرقاني : ج 2 ص 215 - 216 . ( 5 ) راجع فتح المنّان : ص 224 - 230 .