الشيخ محمد هادي معرفة
376
تلخيص التمهيد
ارتفاع التشريع ، وإنَّما تبدّل الموضوع بطروء أحد هذه العناوين . كما لو جاز للمضطرّ أن يأكل من الميتة بقدر ما يسدّ رمقه ، فإنَّ مثل هذا الجواز لا يكون نسخاً للحرمة الأصلية الَّتي كان موضوعها الإنسان المختار ، وقد تبدَّل إلى إنسان مضطرّ . حقيقة النسخ النسخ في حقيقته الأوَّلية - بمعنى « نشأة رأي جديد » - مستحيل عليه تعالى . إذ هو بذاك المعنى يستدعي تبدّل رأي المتشرّع ، بظهور خطأ أو نقص في تشريعه السابق ، عثر عليه متأخّراً فأبدل رأيه إلى تشريع آخر ناسخ للأوَّل ، ويكون هذا الأخير هو الكامل الصحيح في نظره حاليّاً ، ويجوز تبدّل رأيه ثانياً وثالثاً إلى تشريع ثالث ورابع ، وهكذا ، ما دام يحتمل خطأُه في كلّ تشريع . هذا المعنى إنّما يخصّ أولئك المتشرّعين غير المحيطين بالمصالح والمفاسد الكامنة وراء الأمور تلك الإحاطة الشاملة . أمّا العالم بالخفايا المحيط بجوامع الواقعيّات في طول الزمان وعرضه على حدّ سواء فيمتنع عليه خطأ في إصابة الواقع أو يفوته نقص كان غافلًا عنه ثمَّ وجده ، كلّ ذلك مستحيل بشأنه تعالى . إذاً فالنسخ المنسوب إليه تعالى نسخ في ظاهره ، أمّا الواقع فلا نسخ أصلًا ، وإنَّما هو حكم موقَّت وتشريع محدود من أوَّل الأمر ، وأنَّه تعالى لم يشرِّعه حين شرَّعه إلّاوهو يعلم أنَّ له أمداً ينتهي إليه ، وإنّما المصلحة الواقعية اقتضت هذا التشريع الموقَّت ، وقد شرَّعه تعالى وفق تلك المصلحة المحدودة من أوَّل الأمر . لكن لمصلحة في التكليف أخفى تعالى بيان الأمد ، وأجَّله إلى وقته المحدود . ثمَّ في نهاية الأمد جاء البيان إلى الناس : إنَّ هذا التشريع قد انتهى بهذا الأجل . فالنسخ في حقيقته الدينية ليس سوى تأخير بيان الأمد المضروب من الأوَّل ، ولعلَّ في تأخير هذا البيان مصلحة للُامَّة ، منها الاختبار بتوطينهم على الطاعة فيما كان التكليف السابق شاقّاً مثلًا ، وغير ذلك من مصالح يراها المولى الحكيم .