الشيخ محمد هادي معرفة

333

تلخيص التمهيد

النقل وأكثر في الأداء ، وهو الَّذي أختاره وآخذ به - إلى أن قال : - وأئمَّة القرّاء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر والأصحّ في النقل ، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردّها قياس عربية ولا فشوُّ لغة ، لأنَّ القراءة سنَّة متَّبعة يلزم قبولها والمصير إليها . قال الزرقاني - تعقيباً على هذا الكلام - : وهذا كلام وجيه ، فإنَّ علماء النحو إنَّما استمدّوا قواعده من كتاب اللَّه وسنَّة رسوله وكلام العرب ، فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة كان القرآن هو الحَكَم على علماء النحو وما قعَّدوا من قواعد ، ووجب أن يرجعوا هم بقواعدهم إليه ، لا أن نرجع نحن بالقرآن إلى قواعدهم المخالفة نحكِّمها فيه ، وإلّا كان ذلك عكساً للآية ، وإهمالًا للأصل في وجوب الرعاية « 1 » . قلت : عدم اعتماد القرّاء على الأفشى في اللُّغة والأقيس في العربية إنَّما هو لضآلة معرفتهم بأصول الكلام الفصيح ، ومن ثمَّ خلَّطوا وخبَّطوا ، كما خلَّط أبو عمرو الداني مسألة « أصالة القرآن » بمسألة « القراءات » وتبعه في هذا التخليط الغريب الأستاذ الزرقاني تقليديّاً من غير تفكير . إذ المتَّبع هو نصُّ القرآن الأصل المتواتر بين المسلمين ، وعليه اعتمد أئمَّة العربية في استقاء القواعد العامَّة المعتمد عليها . أمّا القرءات فشئ يرجع إلى اجتهادات القرّاء ، واللحن متفشٍّ بينهم ، وما أقلَّ من سلم من هذه الطبقة من الغلط والوهم ، ولا يجعل لحن اللاحنين حجَّة على الكتاب ، على حدِّ تعبير ابن قتيبة « 2 » . إنّا إذا وجدنا لحناً في قراءة قارئ نقوم في وجهه دفاعاً عن سلامة القرآن عن الاعوجاج ، علماً بأنَّ القرآن نزل على الصحيح الأفصح « قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ » « 3 » . ويعذر القوم حيث حسبوا من أنفسهم تجاه أمر واقع ، ومن ثمَّ زعموا من كلِّ قراءة أنَّها متَّبعة ، وفاتهم أن لا مستند لهذا التعبّد الأعمى ، ولا تثبت قرآنيَّة القرآن بقراءة رويت عن

--> ( 1 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 422 . ( 2 ) تأويل المشكل : ص 58 و 61 . ( 3 ) الزمر : 28 .