الشيخ محمد هادي معرفة
324
تلخيص التمهيد
الأدوار ، الأمر الَّذي يكشف عن حرص هذه الامَّة الشديد على حراسة كتابها المجيد ، تحقيقاً لمعجزة هذا الكتاب السماوي الخالد « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » أي على يد هذه الامَّة على مرِّ الدهور وكرِّ العصور ، فلم يزل ولا يزال باقياً ومحفوظاً عن كلِّ تغيير أو تبديل حتّى يوم النشور . وإنَّ اختلاف القرّاء طول التاريخ لم يستطع تغييراً لا في لفظه ولا في خطِّه ، فيالها من معجزة خالدة ، تبعث على اعتزاز هذه الامَّة بكتابها المحتفظ على نصِّ الوحي الإلهي عبر الأجيال . وعليه فالمعيار لتعيين القراءة هي موافقتها مع النصِّ الأصل المحفوظ لدى عامَّة المسلمين ، بشروط نعرضها في الفصل التالي ، وهناك نعالج مسألة تعارض الرواية أو اللغة مع القراءة المأثورة . وهنا سؤال : إذا كانت القراءة الحاضرة هي ما تعاهده المسلمون امَّة عن امَّة فما وجه نسبتها إلى حفص ؟ وسنتعرَّض للإجابة على ذلك ، بأنَّها نسبة مقلوبة ، وأنَّ حفص هوالَّذي حاول موافقة قراءة العامَّة ، ومن ثمَّ قال أرباب التراجم : إنَّ قراءة حفص عن عاصم ترتفع إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام « 2 » . ولا شكَّ أنَّ قراءته عليه السلام هي قراءة عامَّة المسلمين المتواترة منذ العهد الأوَّل ، وسيوافيك تفصيل حلِّ هذا الإشكال في فصل قادم . ملاك صحَّة القراءة وبعد ، فإذ قد تبيَّن حديث تواتر القرآن وثبات نصِّه الأصل مدى الأجيال فإنَّ ملاك صحَّة القراءة هي موافقة ذاك النصِّ المحفوظ لدى عامَّة المسلمين . وتتحقَّق هذه الموافقة في كلِّ قراءة إذا ما توفَّرت فيها الشروط التالية : أوّلًا : موافقتها مع الثبت المعروف بين عامَّة المسلمين ، في مادَّة الكلمة وصورتها وموضعها من النظم القائم ، حسب تعاهد المسلمين خلفاً عن سلف .
--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( 2 ) معرفة القرّاء الكبار : ج 1 ص 117 .