الشيخ محمد هادي معرفة

322

تلخيص التمهيد

عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى ابيّ بن كعب فيها : « لم يتسنَّ » . وفيها : « لا تبديل للخلق اللَّه » وفيها : « فأمهل الكافرين » فدعا بدواة فمحا اللامين وكتب « لِخَلْقِ اللَّهِ » ، ومحا « فأمهل » وكتب « فَمَهِّلِ » . وكتب « لَمْ يَتَسَنَّهْ » فألحق فيها الهاء « 1 » . ولولا أنَّه السماع من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لم يكتبها ابيّ بالهاء ، كما أنّ اختلاف القرّاء فيما بعد وتطوّر الكتابة والخطّ كليهما لم يؤثِّرا على تغيير الكلمة عمّا كتبها الأوائل وقرأها السلف ومن ورائهم عامَّة المسلمين عبر الأجيال . وكذا قوله : « كِتابِيَهْ » و « حِسابِيَهْ » و « مالِيَهْ » و « سُلْطانِيَهْ » « 2 » بإثبات هاء السكت لفظاً وخطّاً ، وفتح ياء المتكلّم كذلك ، من غير أن تكون للقرّاء في ذلك يد ، وإنَّما هي متابعة محضة لعامَّة المسلمين ورثوها كذلك من السلف الأوَّل ، فلا يمكن تغييرها أبداً . وأمثال ذلك كثير في القرآن الكريم . وأيضاً فإنَّ قضية تشكيل المصحف على يد أبي الأسود وتنقيطه على يد تلميذيه نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر لدليل حاسم على أنَّ القرآن كان ذا حقيقة ثابتة في صدور المسلمين ، فجاء تقييدها في المصحف على يد زعماء الامَّة ، خشية تحريف من لا عهد له بالقرآن . وها تلك المصاحف المرسومة وفق المصطلح الأوَّل باقية ، لا تختلف في إعرابها وحركاتها ومرسوم كلماتها عمّا بأيدينا من المصاحف الحاضرة . ويزيدك وضوحاً وجود قطع قرآنية جاءت في كلمات السلف لغرض الاستشهاد أو التفسير أو نحو ذلك ، لا تختلف عن النصِّ الموجود ، الأمر الَّذي يدلّ على ذلك التعاهد العامّ على نصّ واحد للقرآن ، تعاهده المسلمون في جميع العصور . كما أنّ مخالفات جرت على ألسن بعض السلف وقعت موضع إنكار العامَّة وعرفت منذ العهد الأوّل أنَّها غير نصِّ الوحي ، وسجّلها التاريخ بعنوان الشذوذ أو الخطأ المحض .

--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 183 . ( 2 ) الحاقّة : 19 و 20 و 25 و 26 و 28 و 29 .