الشيخ محمد هادي معرفة

32

تلخيص التمهيد

« وَكَذلِكَ » أي على هذه الأنحاء الثلاثة : إلهاماً ، وتكليماً ، وإرسال ملك « 1 » . « أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً » هي الشَّريعة أو القرآن « مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 2 » . هذه أنحاء الوحي بوجه عامّ وبصورة إجمالية . أمّا بالنسبة إلى نبيّنا محمَّد صلى الله عليه وآله فكان يأتيه الوحي تارةً في المنام ، وهذا أكثريّاً كان في بدء نبوَّته ، وأخرى وحياً مباشريّاً من جانب اللَّه بلا توسيط ملَك ، وثالثة مع توسيط جبرائيل عليه السلام ، غير أنَّ الوحي القرآني كان يخصّ الأخيرين إمّا مباشرةً أو على يد ملَك . وإليك بعض التفصيل : 1 - الرؤيا الصادقة كان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة ، كان صلى الله عليه وآله لا يرى رؤيا إلّاجاءت مثل فلق الصبح ، وهو كناية عن تشعشع نورانيّ كان ينكشف لروحه المقدَّسة ، تمهيداً لإفاضة روح القدس عليه صلوات اللَّه عليه وآله ، ثمَّ حبِّب إليه الخلأ ، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه « 3 » الليالي أولات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله ، ويتزوَّد لذلك ، ثمَّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها « 4 » حتّى فجأه الحقّ ، وهو في غار حراء : جاءه الملَك فقال : « اقْرَأْ . . . » « 5 » . قال علي بن إبراهيم القمّي : إنَّ النّبي صلى الله عليه وآله لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في منامه كأنَّ آتياً يأتيه فيقول : يا رسول اللَّه ! ومضت عليه برهة من الزّمن وهو على ذلك يكتمه ، وإذا هو في بعض الأيّام يرعى غنماً لأبي طالب في شعب الجبال إذ رأى شخصاً يقول له : يا

--> ( 1 ) راجع بحار الأنوار : ج 18 ص 246 . ( 2 ) الشورى : 51 و 52 . ( 3 ) التحنّث : التحنّف ، وهو الميل إلى الحنيفيَّة ، كناية عن التعبّد الّذي هو مطهرة للعبد ، قال ابن هشام : تقول العرب : التحنّث‌والتحنّف ، فيبدلون الفاء من الثاء ، كما في جدث وجدف أي القبر . قال : وحدَّثني أبو عبيدة أنَّ العرب تقول : فمَّ في موضوع ثمَّ ( راجع السيرة : ج 1 ص 251 ) . ( 4 ) التزود : استصحاب الزاد . ( 5 ) صحيح البخاري : ج 1 ص 3 ، صحيح مسلم : ج 1 ص 97 ، تاريخ الطبري : ج 2 ص 298 .