الشيخ محمد هادي معرفة

317

تلخيص التمهيد

* * * ولعلَّ معترضاً يقول : هب أنَّ كلَّ واحد من الأركان الثلاثة لا يفي بتعيين القراءة الصحيحة ، لكنَّها جميعاً صالحة للإيفاء بذلك ، حيث لا يمكن اجتماعها إلّافي قراءة صحيحة . قلنا : أمّا اشتراط السند فاقرأه عنّي السلام ، إذ لا نملك لآحاد القراءات إسناداً متّصلًا إلىالنبي صلى الله عليه وآله واحدة واحدة ، فكيف بصحَّته أو تواتره ؟ إذ غاية ما هناك أنَّ لكلِّ قارئ شيخاً ، ولشيخه أيضاً شيخ ، وهكذا ، أمّا أنَّ آحاد قراءاته جميعاً مأخوذة من شيخه ذاك فهذا أمر لا يمكن إثباته ، حيث كانت اجتهادات القرّاء أنفسهم هي من أكبر العوامل لاختياراتهم في القراءات . فهذا الكسائي مثلًا لم يكن يحسب لمشيخته فيما كان يختاره من وجه حساباً ، وكذا غيره من القرّاء ، ولا سيَّما النحويّين منهم ، كما سيأتي « 1 » . هذا فضلًا عن الشكّ في أصل تلكُم الأسانيد ، ولعلَّها مصطنعة تشريفيّاً حسبما تقدَّم . وبقي الشرطان الآخران - موافقة الرسم والعربية - ، غير أنَّ قيد : « ولو احتمالًا » و « ولو بوجه » أبطل أثرهما ، بعد إمكان التوفيق بين القراءات الشاذَّة ومرسوم الخطّ والعربية ولو بعيداً . فالصحيح أنَّ هذه الشروط الثلاثة لا تفي علاجاً بالموضوع ، وإنَّما ذكرها من ذكرها ظاهريّاً ، وتبعه غير تقليديّاً من غير تحقيق . اختيارنا في ضابط القبول ونحن إذ كنّا نعتبر القرآن ذا حقيقة ثابتة ومستقلًاّ بذاته متغائراً عن القرءات جملة فإنَّ مسألة « اختيار القراءة الصحيحة » عندنا منحلَّة ، وهي الَّتي تتوافق مع النصِّ المتواتر بين المسلمين ، منذ الصدر الأوَّل فإلى الآن . ولم يكن اختلاف القراءات سوى الاختلاف في كيفية التعبير عن هذا النصّ حسب اجتهادات القرّاء ، ولا عبرة بهم إطلاقاً ، وإنَّما الاعتبار بالنصِّ الأصل المحفوظ كاملًا على يد الامَّة عبر الأجيال .

--> ( 1 ) وراجع معرفة القرّاء : ج 1 ص 100 .