الشيخ محمد هادي معرفة
307
تلخيص التمهيد
صفة الوجود . وذلك منذ أن تحوَّل الخطّ ( خطّ المصحف بالخصوص ) من حالته البدائية الأولى إلى مراحل جديدة - أيّام ولاية الحجّاج بن يوسف الثقفّي على العراق ، ابتداءً من سنة 74 ه فما بعد - فقد أخذت المصاحففي تطوّر وتحسّن في خطِّها ونقطها وتشكيلها وسائر المحسّنات . وقد بعث الحجّاج بمصاحف من الطراز الحديث إلى الآفاق ، وأمر بجمع سائر المصاحف ، ومنها المصاحف العثمانية الأولى ، وحتّى أنَّ المصحف الإمام - وكان محتفظاً به في وعاء في المسجد النبوي صلى الله عليه وآله - أخفاه آل عثمان ضنّاً به . حكى أبو أحمد العسكري في كتاب « التصحيف » : أنَّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان بن عفّان نيّفاً وأربعين سنة ، إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، ثمَّ كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجّاج بن يوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات . . . « 1 » قال ابن وهب : سألت مالكاً عن مصحف عثمان ، فقال : ذهب « 2 » . ويروي الشاطبي عن مالك أنَّه قال : « إنَّ مصحف عثمان تغيَّب فلم نجد له خبراً بين الأشياخ » « 3 » . وفي كلامه هذا أنَّه حاول العثور عليه فلم يستطع ، الأمر الَّذي يدلّ على انقطاع أثره من صفحة الوجود بالكلّية ، وإلّا فلو كان له وجود لما كان يختفي عن مثل مالك . تلك حالة المصاحف العثمانية الأولى لم يعد لها أثر في الوجود . أمّا سائر المصاحف فلا تصلح مقياساً لموافقتها أو مخالفتها . لأنّ قيمة تلكُم المصاحف الأولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصحابة الأوَّلين ، أمّا غيرها فلم يثبت لها هذا الاعتبار . ولعلَّك تقول : يحتمل أنَّ تلكُم المصاحف المتأخِّرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الأولى حرفيّاً . قلت : هذا احتمال ، ولا يمكننا أن نعتمد احتمالًا نحتمله ما لم نستوثق من تحقّقه واقعاً قطعيّاً . هذا فضلًا عن التصريح بأنّها كتبت على أسلوب حديث كان يختلف عن
--> ( 1 ) التصحيف : ص 13 . ( راجع ابن خلّكان - في ترجمة الحجّاج - : ج 2 ص 32 ) . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن : ج 1 ص 222 . ( 3 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 669 .