الشيخ محمد هادي معرفة
305
تلخيص التمهيد
وهكذا حتّى تنتهي ، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمَّة هذا الشأن الضّابطين له ، غير معدودة عندهم من الغلط ، أو ممّا شذَّ بها بعضهم . قال : وقد شرط بعض المتأخّرين « التواتر » وأنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن . وهذا ممّا لا يخفى ما فيه ، فإنّ التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره . إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه وآله وجب قبوله ، وقطع بكونه قرآناً ، سواء وافق الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كلِّ حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمَّة السَّبعة وغيرهم . ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول ، ثمَّ ظهر فساده ، وموافقة أئمَّة السلف والخلف « 1 » . مناقشة هذه الأركان تلك شروط ثلاثة ( السند والرسم والعربية ) ذكرها السلف وتبعهم عليها الخلف تقليدياً ، من غير ما تحقيق عن واقع الأمر ، وهل تصلح هذه الأركان حلًاّ لمشكلة « اختلاف القراءات » ؟ إنَّها مشكلة لا تنحلّ بهكذا مسائل شكلية لا واقع لها ، إذا ما جاس الباحث خلال الديار . وقد لمس الأئمَّة القدامى قصور هذه الأركان عن التعريف بصحيح القراءة ، ومن ثمَّ أخذوا في تحريفها وتحويرها يمنةً ويسرة ، ولكن من غير جدوى ، فاستبدلوا من شرط « التواتر » - الَّذي كان رائجاً على ألسنة غوغاء الناس - كفاية صحَّة الإسناد ، ولكن إذا لم يوجد لبعض القرّاء إسناد فماذا ؟ وكذلك شرط « موافقة الرسم » ، رسم أيِّ مصحف ؟ أهو مصحف عثمان « الامّ » ؟ فلم يكن بمعرض العامَّة . أم هي المصاحف الأولى المبعوثة إلى الآفاق ؟ فلم يعدّ لها وجود منذ عام 74 ه ، حيث جمعها الحجّاج بأمر عبد الملك بن مروان في مرسوم سلطانيّ عام . وقد حاول بعض الأئمَّة ( الإمام مالك ) العثور على نسخة منها فلم يستطع . ثمَّ إنَّ قيد « ولو احتمالًا » يذهب بأثر هذا الاشتراط رأساً .
--> ( 1 ) النشر : ج 1 ص 13 .