الشيخ محمد هادي معرفة

25

تلخيص التمهيد

لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً » « 1 » . والوحي الرسالي لا يعدو مفهومه اللغوي بكثير ، بعد أن كان إعلاماً خفياً ، وهو اتّصال غيبيّ بين اللَّه ورسوله ، يتحقّق على أنحاء ثلاثة ، كما جاءت في الآية الكريمة : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 2 » . فالصورة الأُولى : إلقاء في القلب ونفث في الروع . والثانية : تكليم من وراء حجاب ، بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ صلى الله عليه وآله ولا يرى شخص المتكلّم . والثالثة : إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النبي ، إمّا عياناً يراه ، أو لا يراه ولكن يستمع إلى رسالته . إذاً فالفارق بين الوحي الرسالي وسائر الإيحاءات المعروفة هو جانب مصدره الغيبي اتّصالًا بما وراء المادَّة . فهو إيحاءٌ من عالم فوق ، الأمر الَّذي دعا بأولئك الَّذين لا يروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادّي ، أن يجعلوا من الوحي الرسالي سبيله إلى الإنكار ، أو تأويله إلى وجدان باطني ينتشئ من عبقريَّة واجده ، وسنبحث عن ذلك في فصل قادم . إمكان الوحي قد يتشبَّت البعض - ذريعة لإنكار النبوّات - بتباعد ما بين العالم العلوي والعالم السفلي ، ذاك متشعشع روحيّ لطيف ، وهذا متكدّر مادّي كثيف . وإذ لا واسطة بين الجانبين ، فلا علقة تربط أحد العالمين بالآخر .

--> ( 1 ) النساء : 163 - 167 . ( 2 ) الشورى : 51 .