الشيخ محمد هادي معرفة

198

تلخيص التمهيد

وقد قال علي عليه السلام كلمته الخالدة : إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل « 1 » . فأصبحت مرسوماً قانونياً التزم به المسلمون مع الأبد . * * * ملحوظة : ليس وجود المخالفة لرسم الخطّ في المصحف الشريف بالَّذي يمسّ كرامة القرآن : أوَّلًا : القرآن - في واقعه - هو الَّذي يُقرأ ، لا الَّذي يكتب . فلتكن الكتابة بأيِّ أسلوب ، فإنَّها لا تضرّ شيئاً ما دامت القراءة باقية على سلامتها الأولى الَّتي كانت تقرأ على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وصحابته الأكرمين . ولا شكَّ أنَّ المسلمين احتفظوا على نصِّ القرآن بلفظه المقروء صحيحاً ، منذ الصدر الأوَّل فإلى الآن ، وسيبقى مع الخلود في تواتر قطعيّ . ثانياً : تخطئة الكتابة هي استنكار على الكتبة الأوائل جهلهم أو تساهلهم ، وليس قدحاً في نفس الكتاب الَّذي « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » « 2 » . ثالثاً : إنَّ وجود أخطاء ظلَّت باقية لم تتبدَّل ، يفيد المسلمين في ناحية احتجاجهم بها على سلامة كتابهم من التحريف عبر القرون . إذ أنّ أخطاء إملائية لا شأن لها ، وكان جديراً أن تمدّ إليها يد الإصلاح ، ومع ذلك بقيت سليمة عن التغيير ، تكريماً بمقام السلَف فيما كتبوه ، فأجدر بنصِّ الكتاب العزيز أن يبقى بعيداً عن احتمال التحريف والتبديل رأساً . وقلنا - آنفاً - : إنَّ الحكمة في الإبقاء على تلكُم الأخطاء كانت هي الحذر على نفس الكتاب أن لا تمسَّه يد سوء بحجَّة الإصلاح ، ومن ثمَّ أصبحت سدّاً منيعاً دون أطماع المغرضين ، وبذلك بقي كتاب اللَّه يشقّ طريقه إلى الأبدية بسلام .

--> ( 1 ) تفسير الطبري : ج 27 ص 104 . ( 2 ) فصّلت : 42 .