الشيخ محمد هادي معرفة
189
تلخيص التمهيد
في سورة آل عمران : 48 « يُعَلِّمُهُ » . « نعلمه » « 1 » . في سورة الحجرات : 6 « فَتَبَيَّنُوا » : « فتثبَّتوا » « 2 » . إلى غيرها من أمثلة ، وهي كثيرة . * * * هذا ، وخلو المصاحف الأوَّليَّة من علائم فارقة كان عمدة السبب في اختلاف القراءات فيما بعد ، إذ كان الاعتماد على الحفظ والسماع ، وبطول الزمان ربَّما كان يحصل اشتباه في النقل أو خلط في السماع ، ما دام الإنسان هو عرضة للنسيان ، والاشتباه حليفه مهما دقَّق في الحفظ ، لو لم يقيِّده بالكتابة . ومن ثمَّ قيل : ما حفظ فرَّ وما كتب قرَّ . أضف إلى ذلك تخلخل الأمم غير العربية في الجزيرة وتضخّم جانبهم مطّرداً مع التوسعة في القطر الإسلامي العريض . فكان على أعضاء المشروع المصاحفي في وقته أن يفكّروا في مستقبل الامَّة الإسلامية ، ويضعوا علاجاً لما يحتمل الخلل في قراءة القرآن قبل وقوعه . ولكن أنّى وروح الإهمال والتساهل كان مسيطراً تماماً على المسؤولين آنذاك . هذا ، وقد أغرب ابن الجزري ، فزعم أنَّ المسؤولين آنذاك تركوا وضع العلائم عن عمدٍ وعن قصدٍ لحكمة ! قال : وذلك ليحتمل الخطّ ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النبي صلى الله عليه وآله ، إذ كان الاعتماد على الحفظ والسماع لا على مجرَّد الخطّ « 3 » . ووافقه الزرقاني على هذا التبرير المفضوح ، قال : كانوا يرسمونه بصورة واحدة خالية من النقط والشكل ، تحقيقاً لهذا الاحتمال « 4 » . لكن لا مجال لهذا التبرير بعد أن نعلم أنَّ الخطَّ عند العرب حينذاك كان بذاته خالياً عن كلِّ علامة مائزة . وكان العرب هم في بداءة معرفتهم بالخطّ والكتابة ، فلم يكونوا يعرفون من شؤون الإعجام والتشكيل وسائر العلائم شيئاً لحدّ ذاك الوقت .
--> ( 1 ) راجع نفس المصدر : ج 2 ص 444 . ( 2 ) راجع نفس المصدر : ج 3 ص 94 ، وج 9 ص 131 . ( 3 ) النشر في القراءات العشر : ج 1 ص 7 . ( 4 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 251 .