الشيخ محمد هادي معرفة

182

تلخيص التمهيد

وجانب أفضح من هذا التساهل الغريب ، ما روى ابن أبي داود أيضاً : أنَّهم عندما فرغوا من نسخ المصاحف أتوا به إلى عثمان ، فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى فيه شيئاً من لحن ! لكن ستقيمه العرب بألسنتها . ثمَّ قال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا ! « 1 » قلت : ما هذا الاتّكال الغريب ، والفرصة في قدرته ! ؟ ألم يكن كتاب اللَّه العزيز الحميد جديراً بالاهتمام به ليكون خلواً من كلّ خطأ أو لحن ؟ ثمَّ ما هذا التمنّي الكاذب ، وفي استطاعته بدء الأمر أن يختار مملياً من هذيل وكتبة من ثقيف ، وهو يعلم أنَّ فيهم الجدارة والكفاءة ، الأمر الَّذي كان يعوزه من انتدبهم من بطانته حينذاك ! ! نعم ، كانت مغبَّة هذا التساهل أن حصلت اختلافات في القراءة فيما بعد ، وكان كرّاً على ما فرّوا منه . وسنفصِّل كلَّ ذلك في فصول قادمة . عدد المصاحف العثمانية اختلف المؤرِّخون في عدد المصاحف الموحّدة الَّتي أرسلت إلى الآفاق . قال ابن أبي داود : كانت ستَّة حسب الأمصار المهمَّة ذوات المركزية الخاصة : مكَّة والكوفة والبصرة والشام والبحرين واليمن . وحبس السابعة - وكانت تسمّى الامَّ أو الإمام - بالمدينة « 2 » وزاد اليعقوبي : مصر والجزيرة « 3 » . اذاً فعدد المصاحف الَّتي نسختها لجنة توحيد المصاحف هي تسعة ، واحدة هي الامُّ أو الإمام ، كانت بالمدينة ، والبقيَّة أرسلت إلى مراكز البلاد الإسلامية آنذاك . وكان المصحف المبعوث إلى كلِّ قطر يحتفظ عليه في مركز القطر ، يستنسخ عليه ويرجع إليه عند اختلاف القراءة . ويكون هو حجَّة ، والقراءة الَّتي توافقها تكون هي الرسمية ، وكلُّ نسخة أو قراءة تخالفها تعدُّ غير رسمية وممنوعة يعاقب عليها .

--> ( 1 ) المصدر ص : 32 - 33 . ( 2 ) نفس المصدر : ص 34 . ( 3 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 160 .