الشيخ محمد هادي معرفة

138

تلخيص التمهيد

وغيرهما ختموا القرآن على النبي - صلى الله عليه وآله - عدَّة ختمات . وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنَّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث « 1 » . لكن حفظ القرآن هو بمعنى حفظ جميع سوَره الَّتي اكتملت آياتها ، سواء أكان بين السوَر ترتيب أم لا . وهكذا ختمُ القرآن هو بمعنى قراءة جميع سوَره من غير لحاظ ترتيب خاصّ بينها . أو الحفظ كان بمعنى الاحتفاظ على جميع القرآن النازل لحدّ ذاك والتحفّظ عليه دون الضياع والتفرقة ، الأمر الَّذي لا يدلّ على وجود ترتيب خاصّ كان بين سوَره كما هو الآن . هذا ، وقد ذهب إلى ترجيح هذا الرأي أيضاً سيدّنا الأستاذ الإمام الخوئي قدس سره نظراً إلى الأمور التالية : أوّلًا : أحاديث جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بنفسها متناقضة ، تتضارب مع بعضها البعض ، ففي بعضها تحديد زمن الجمع بعهد أبي بكر ، وفي آخر بعهد عمر ، وفي ثالث بعهد عثمان . كما أنّ البعض ينصّ على أنَّ أوّل من جمع القرآن هو زيد بن ثابت ، وآخر ينصّ على أنَّه أبو بكر ، وفي ثالث أنَّه عمر . إلى أمثال ذلك من تناقضات ظاهرة . ثانياً : معارضتها بأحاديث دلَّت على أنَّ القرآن كان قد جمع على عهده صلى الله عليه وآله . منها حديث الشعبي ، قال : جمع القرآن على عهده ستَّة : ابيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو الدرداء ، وسعد بن عبيد ، وأبو زيد . وفي حديث أنس أنَّهم أربعة : ابيّ ومعاذ ، وزيد ، وأبو زيد . وأمثال ذلك . ثالثاً : منافاتها مع آيات التحدّي ، الَّتي هي دالَّة على اكتمال سوَر القرآن وتمايز بعضها عن بعض . ومتنافية أيضاً مع إطلاق لفظ الكتاب على القرآن في لسانه صلى الله عليه وآله الظاهر في كونه مؤلَّفاً كتاباً مجموعاً بين دفَّتين . رابعاً : مخالفة ذلك مع حكم العقل بوجوب اهتمام النبي صلى الله عليه وآله بجمعه وضبطه عن الضياع والإهمال .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 1 ص 15 .