الشيخ محمد هادي معرفة

118

تلخيص التمهيد

اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » . إنّما يعني الذين كفروا على عهده صلى الله عليه وآله وعاندوا وأصرّوا على اللجاج ، بعد وضوح الحقّ وسطوع البرهان . وليس مطلق الكفّار على مرّ الزمان . وهذا تيئيسٌ للنبي صلى الله عليه وآله ، فلا تذهب نفسه عليهم حسرات . قال العلّامة الطباطبائي قدس سره : ولا يبعد أن يكون المراد هم الكفّار من صناديد قريش وكبراء مكّة ، الّذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك . إذ لا يمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفّار ، وإِلّا لانسدّ باب الهداية . فالأشبه أن يكون المراد من « الّذين كَفَروا » هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم كفّار مكّة في أوّل البعثة ، إِلّا أن تقوم قرينة على خلافه ، نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله : « الَّذينَ آمَنُوا » فيما اطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق ، هم السابقون الأوّلون من المؤمنين . خصّوا بهذا الخطاب تشريفاً « 2 » . وهكذا قال رحمه الله في تفسير سورة « الكافرون » : هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر . ويدلّ عليه أمره صلى الله عليه وآله أن يخاطبهم ببراءته من دينهم وامتناعهم من دينه « 3 » . وبذلك تنحلّ مشكلة كثير من الآيات جاءت بهذا التعبير وأشباهه . نعم ، هذا الحكم يسري فيمن شابه أولئك في العناد واللجاج مع الحقّ بعد الوضوح . نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة هكذا روى أبو النضر محمّد بن مسعود العيّاشي بإسناده عن الإمام أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام فيما رواه عنه عبد اللَّه بن بكير . قال : نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة « 4 » . وهذا مَثَلٌ يضرب لمن يخاطِب شخصاً أو يتكلّم عن أمر وهو يريد غيره ، على سبيل الكناية أو التعريض .

--> ( 1 ) البقرة : 6 - 7 . ( 2 ) تفسير الميزان : ج 1 ص 50 . ( 3 ) تفسير الميزان : ج 20 ص 526 . ( 4 ) تفسير العيّاشي : ج 1 ص 10 ح 4 .