الشيخ محمد هادي معرفة
96
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الجسّاسة ! « 1 » قالوا : وما الجسّاسة ؟ قالت : أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير ( الدير هو القصر ) فإنّه إلى خبركم بالأشواق . قال ( أي الداريّ ) : لما سمّت لنا رجلًا فَرِقْنا ( أي فزعنا ) منها أن تكون ( أي الدابّة ) شيطانة . قال : فانطلقنا سراعا حتّى دخلنا الدير ، فإذا فيه أَعْظَمُ إنسان رأيناه قطّ خلقا ، وأَشَدُّه وثاقا ، مجموعةٌ يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد . قلنا : ويلك ما أنت ؟ قال : قد قدرتم على خبري ، فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناس من العرب . فَقَصُّوا عليه قصّتهم ، فقال : أخبروني عن نخل بيسان ! « 2 » قلنا : عن أيّ شأنها تستخبر ؟ قال : أسألكم عن نخلها هل تثمر ؟ قلنا له : نعم . قال : أما أنّه يوشك أن لا تثمر . قال : أخبروني عن بُحيرة الطبريّة ! قلنا : عن أيّ شأنها تستخبر ؟ قال : هل فيها ماء ؟ قالوا : هي كثيرة الماء . قال : أما أنّ ماءها يوشك أن يذهب . قال : أخبروني عن عين زُغَر « 3 » . قالوا : عن أيّ شأنها تستخبر ؟ قال : هل في العين ماء ، وهل يزرع أهلها بماء العين ؟ قلنا له : نعم ، هي كثيرة الماء ، وأهلها يزرعون من مائها . قال : أخبروني عن نبيّ الأُمّيّين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكّة ونزل يثرب . قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ، فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه . قال : قد كان ذلك ؟ قلنا : نعم . قال : أما أنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه ، وإنّي أخبركم عنّي : إنّى أنا المسيح « 4 » ، وإنّى أوشك أن يؤذن لي في الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة ، غير مكّة وطيبة ، فهما محرّمتان عليّ كلتاهما ، كلّما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملَك بيده السيف صلتا « 5 » يصدّني عنها ، وأنّ على كلّ نقب منها ملائكة يحرسونها . قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وطعن بمخصرته في المنبر : هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة ،
--> ( 1 ) - . في الهامش : سمّيت جسّاسة لتجسّسها الأخبار للدجّال . قال صاحب التحفة : هي دابّة الأرض التي تخرج في آخر الزمان . راجع : شرح النوويّ ، ج 18 ، ص 78 . ( 2 ) - . بيسان ، مدينة بالأردن بالغور الشاميّ ، وهي بين حوران وفلسطين . يقال عنها : إنّها لسان الأرض وبها عين يقال : إنّها من الجنّة فيها ملوحة يسيرة معجم البلدان ، ج 1 ، ص 527 . ( 3 ) - . على وزان زُفَر : بلدة في الجانب القبليّ من الشام . ( 4 ) - . أي المسيح الدجّال الذي زعموا أنّه يخرج في آخر الزمان . ( 5 ) - . أي مسلولًا .