الشيخ محمد هادي معرفة
498
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
النبات لم يكن إلّا بروح خاصّ ، نفخه اللّه في البذرة ، فكانت به الحياة النباتيّة المخصوصة ، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان ، فكلّ أمر كلّيّ قائم بنظام مخصوص تمّت به الحكمة الإلهيّة في إيجاده ، فإنّما قوامه بروح إلهيّ ، سمّي في لسان الشرع ملَكا ، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمّ هذه المعاني « القُوى الطبيعيّة » ، إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلّا ما هو طبيعة ، أو قوّة يظهر أثرها في الطبيعة . والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه ، هو أنّ في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامها ونظامها ، لا يمكن لعاقل أن ينكره ، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملَكا ، وزعم أنّه لا دليل على وجود الملائكة ، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوّة طبيعيّة أو ناموسا طبيعيّا ؛ لأنّ هذه الأسماء لم ترد في الشرع ، فالحقيقة واحدة والعاقل لا تحجبه الأسماء عن المسمّيات ، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه ، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ، ولكن أعرف قوّة لا أفهم حقيقتها ، ولا يعلم إلّا اللّه ، علىمَ يختلف الناس ، وكلّ يقرّ بوجود شيء غير ما يرى ويحسّ ، ويعترف بأنّه لا يفهمه حقّ الفهم ، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه ؟ وماذا على هذا الذي يزعم أنّه لا يؤمن بالغيب - وقد اعترف بما غيب عنه - لو قال : أُصدّق بغيب أعرف أثره ، وإن كنت لا أقدر قدره ، فيتّفق مع المؤمنين بالغيب ، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي ، ويحظى بما يحظى به المؤمنون ؟ يشعر كلّ من فكّر في نفسه ، ووازن بين خواطره ، عندما يهمّ بأمر فيه وجه للحقّ أو للخير ، ووجه للباطل أو للشرّ ، بأنّ في نفسه تنازعا ، كأنّ الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى ، فهذا يورد وذاك يدفع ، وأحد يقول : افعل ، وآخر يقول : لا تفعل ، حتّى ينتصر أحد الطرفين ، ويترجّح أحد الخاطرين ، فهذا الشيء الذي أُودع في أنفسنا ونسمّيه : قوّة وفكرا ، وهي في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه ، وروح لا تكتنه حقيقتها ، لا يبعد أن يسمّيه اللّه مَلَكا ، أو يسمّى أسبابه ملائكةً ، أو ما شاء من الأسماء ، فإنّ التسمية لا حجر فيها على الناس ، فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة ، والسلطان النافذ والعلم الواسع !