الشيخ محمد هادي معرفة
492
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ملحوظة لم يقف العلماء في العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللون من التفسير . بل نراهم مختلفين بين الردّ والقبول ، ولكلا الفريقين حجج وتعاليل قد يمكن التوافق بينها إذا ما رجعنا إلى مصبّ القولين ، الأخذ أحدهما طريق الإفراط والآخر التفريط ، فكان الوسط هو طريق الاعتدال . . راجع ما كتبناه بهذا الصدد في باب الإعجاز العلميّ للقرآن الكريم . وهو الجزء السادس من التمهيد . . 2 . اللون الأدبيّ الاجتماعيّ يمتاز التفسير في هذا العصر ، بتلوّنه باللون الأدبيّ الاجتماعيّ ، ونعني بذلك أنّ التفسير لم يَعُد يظهر عليه في هذا العصر ذلك الطابع التقليديّ الجافّ ، من معالجة مسائل شكليّة ، كادت تصرف الناس عن هداية القرآن الكريم ، وانشغالهم بمباحث فارغة لا تمسّ روح القرآن وحقيقته . وإنّما ظهر عليه طابع آخر وتلوَّنَ بلون يكاد يكون جديدا وطارئا على التفسير ، ذلك هو معالجة النصوص القرآنيّة معالجة تقوم أوّلًا وقبل كلّ شيء على إظهار مواضع الدقّة في التعبير القرآنيّ ، ثمّ بعد ذلك تصاغ تلك المعاني التي يهدف القرآن إليها في أسلوب شيّق أخّاذ ، ثمّ يطبّق النصّ القرآنيّ على ما في الكون والحياة من سنن الاجتماع ونظم العمران . هذه النهضة الأدبيّة الاجتماعيّة قامت بمجهود كبير في تفسير كتاب اللّه تعالى ، قرّبت القرآن إلى أفهام الناس ، في مستوى عامّ كان أقرب إلى الواقعيّة من الأمس الدابر . وإليك من ا متيازات هذه المدرسة التفسيريّة الحديثة : إنّها نظرت إلى القرآن نظرة بعيدة عن التأثّر بمذهب من المذاهب ، فلم يكن منها ما كان من كثير من المفسّرين القدامى من التأثّر بالمذهب ، إلى درجة كانت تجعل القرآن تابعا لمذهبه ، فيؤوّل القرآن بما يتّفق معه ، وإن كان تأويلًا متكلّفا وبعيدا . كما أنّها وقفت من الروايات الإسرائيليّة موقف الناقد البصير ، فلم تشوّه التفسير بما