الشيخ محمد هادي معرفة
474
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ربّ المشرق والمغرب ، أي الذي ظهر عليك نوره ، فطلع من أُفق وجودك بإيجادك ، والمغرب الذي اختفى بوجودك ، وغرب نوره فيك ، واحتجب بك « 1 » . تلك نماذج تكشف لك عن واقع هذا التفسير ، وأنّه يقوم على مذهب صاحبه في القول بوحدة الوجود ، الأمر الذي يلتئم وإمكان نسبته إلى ابن عربيّ القائل بذلك ، فليس غريبا منه أن يقوم بتأليف تفسير يعتمد على مذهبه الخاصّ . فلا موضع لما استغربه أمثال الشيخ محمّد عبده ، وأنّ النزعات أو الشطحات التي تشاهد في هذا التفسير ، ليست شيئا غريبا عن روح ابن عربيّ ومذهبه في وحدة الوجود . * * * ويقوم مذهب ابن عربيّ في التفسير - في سائر مؤلّفاته - غالبا على نظريّة « وحدة الوجود » التي يدين بها ، وعلى الفيوضات والوجدانيّات التي تنهلّ عليه من سحائب الغيب الإلهيّ ، وتنقذف في قلبه من ناحية الإشراق الربّانيّ ، فنراه في كثير من الأحيان يتعسّف في التأويل ، ليجعل الآية تتمشّى مع هذه النظريّة ، فهو يبدّل فيما أراد اللّه من آياته ويفسّرها على أن تتضمّن مذهبه وتكون أسانيد له ، الأمر الذي ليس من شأن المفسّر المنصف المخلص للّه عمله ؛ إذ يجب على المفسّر المخلص أن يبحث في القرآن بحثا مجرّدا عن الهوى والعقيدة ، ممّا قلّ ما يوجد في أهل التصوّف والعرفان . هذا وقد بالغ ابن عربيّ في دعواه الإشراقات الربّانيّة المنهلّة على قلبه ، ويدّعي أنّ كلّ ما يجري على لسان أهل الحقيقة - ويعني بهم الصوفيّة بالذات - من المعاني الإشاريّة في القرآن هو في الحقيقة تفسير وشرح لمراد اللّه ، وأنّ أهل اللّه - ويعني بهم الصوفيّه - أحقّ الناس بشرح كتابه ؛ لأنّهم يتلقّون علومهم عن اللّه مباشرة ، فهم يقولون في القرآن على بصيرة ، أمّا أهل الظاهر فيقولون بالظنّ والتخمين ، وفضلًا عن ذلك إنّه يرى أنّ تفاسير أهل الحقيقة لا يعتريها شكّ ، وأنّها صدق وحقّ على غِرار القرآن الكريم ، فإذا كان القرآن
--> ( 1 ) - . تفسير ابن عربيّ ، ج 2 ، ص 720 - 721 .