الشيخ محمد هادي معرفة

454

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ويقال : صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدا واقفة ، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبدا طائفة ، ووفود هِمَمِ العارفين بحضرة العزّ أبدا عاكفة « 1 » . * * * وقال في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ - إلى قوله - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ » « 2 » : والإشارة فيه أنّ من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان ، لا يتأذّى منه حيوان بحال ؛ لذا قالوا : البَرُّ من لا يؤذي الذرّ ولا يضمر الشرّ . ويقال : الإشارة في هذا أنّ من قصدنا فعليه نبذ الأطماع جملةً ، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحال من الأحوال . وكما أنّ الصيد على المحرم حرام إلى أن يتحلّل ، فكذلك الطلب والطمع والاختيار على الواجد حرام ما دام محرما بقلبه . ويقال : العارف صيد الحقّ ، ولا يكون للصيد صيد . وإذا قتل المحرم الصيد فعليه الكفّارة ، وإذا لاحظ العارف الأغيار ، أو طمع أو رغب في شيء أو اختار لزمته الكفّارة ، ولكن لا يكتفي منه بجزاء المثل ولا بأضعاف أمثال ما تصرّف فيه أو طمع ، ولكن كفّارته تجرّده على الحقيقة عن كلّ غير ، قليل أو كثير ، صغير أو كبير . قوله عز وجل : « أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ » « 3 » قال : حكم البحر خلاف حكم البرّ ، وإذا غرق العبد في بحار الحقائق سقط حكمه ، فصيد البحر مباح له ؛ لأنّه إذا غرق صار محوا ، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محو ، واللّه غالب على أمره « 4 » . * * *

--> ( 1 ) - . لطائف الإشارات ، ج 1 ، ص 136 . ( 2 ) - . المائدة 94 : 5 - 95 . ( 3 ) - . المائدة 96 : 5 . ( 4 ) - . لطائف الإشارات ، ج 2 ، ص 143 - 144 .