الشيخ محمد هادي معرفة
393
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حيث يقول : قلت : الممثَّل به في الآية وفي قولهم : « لو قيل للشحم أين تذهب . . . » وفي نظائره ، مفروض ، والمفروضات تتخيّل في الذهن كما المحقَّقات : مُثّلت حالُ التكليف في صعوبته ، وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها « 1 » . قال الذهبيّ : وهذه الطريقة التي يعتمد عليها الزمخشريّ في تفسيره أعني طريقة الفروض المجازيّة ، وحمل الكلام الذي يبدو غريبا في ظاهره ، على أنّه من قبيل التعبيرات التمثيليّة أو التخييليّة قد أثارت حفيظة خصمه السنّيّ ابن المنير الإسكندريّ عليه ، فاتّهمه بأشنع التّهم في كثير من المواضع التي تحمل هذا الطابع ، ونسبه إلى قلّة الأدب وعدم الذوق « 2 » . فمثلًا عندما يعرض الزمخشريّ لقوله تعالى : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » « 3 » نراه يقول : هذا تمثيل وتخييل ، كما مرّ في آية عرض الأمانة ، وقد دلّ عليه قوله تعالى : « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ . . . » والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلّة تخشّعه عند تلاوة القرآن ، وتدبّر قوارعه وزواجره « 4 » . ولكن هذا قد أغضب ابن المنير ، فقال معقّبا عليه : وهذا ممّا تقدّم إنكاري عليه فيه ، أفلا كان يتأدّب بأدب الآية ، حيث سمّى اللّه هذا مثلًا ، ولم يقل : وتلك الخيالات نضربها للناس . ألهمنا اللّه حسن الأدب معه ، واللّه الموفّق . غير أنّ الزمخشريّ ولع بهذهالطريقة ، فمشى عليها من أوّل تفسيره إلى آخره ، ولم يقبل المعاني الظاهرة التي أخذ بها أهل السنّة وحسبوها أقرب إلى الصواب ، كما لا ينفكّ عن التنديد بأهل السنّة الذين يقبلون هذه المعاني الظاهرة ويقولون بها ، وكثيرا ما ينسبهم من
--> ( 1 ) - . الكشّاف ، ج 3 ، ص 564 - 565 . ( 2 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 449 . ( 3 ) - . الحشر 21 : 59 . ( 4 ) - . الكشّاف ، ج 4 ، ص 509 .