الشيخ محمد هادي معرفة
39
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
استنباطها من دلائل الكتاب والسنّة . فإن كانت الشرائط هناك تجري هنا - في باب التفسير - أيضا ، كانت نفس الأساليب واجبة الاتّباع ، غير أنّ باب التفسير يختلف عن الفقه اختلافا في الجذور . الفقه : استنباط أحكام وتكاليف ترجع إلى عمل المكلَّفين ، إمّا فعلًا أو تركا ، إلزاما أو رجحانا . فلا بدّ للفقيه من أن يستوثق في الاستنباط ، ويبني الفروع على أصول متينة . والاستيثاق والاطمئنان إنّما يحصلان بحصول الظنّ الغالب المعتبر شرعا وعقلائيّا ؛ فيجب عليه اتّباعه ، وإن لم يحصل له القطع واليقين ؛ لأنّ ظنّه هذا حجّة معتبرة . أمّا التفسير - وكذا التاريخ - فليس الأمر كذلك ؛ حيث طريق الاستيثاق والحجّيّة تختلف أساليبه عن أساليب الفقه . إذا لا حجّيّة تعبّديّة هنا ، كما كانت حجّة تعبّدا هناك . فإنّ دليل التعبّد قاصر الشمول هنا ؛ إذ لا عمل يوجب التعبّد فيه . إنّما هو عقيدة وركون نفس ، إن حصلت أسبابه حصل ، وإلّا فلا ، ولا معنى للتعبّد في العقيدة والرأي أو في وقوع حادثة أو عدم وقوعها . مثلًا : لا معنى للتعبّد بأنّ تفسير الآية الفلانية كذا ؛ إذ التفسير : كشف القناع عن وجه اللفظ المبهم ، فإن ارتفع الإبهام وانكشف المعنى ، أصبح موضع القبول والإذعان به ، وإن لم يرتفع الإبهام ، فلا موضع للقبول والإذعان تعبّدا محضا . وهذا نظير الأحداث التاريخيّة ، إنّما يُذعن بها إذا حصل الاطمئنان الشخصيّ بوقوعها من أيّ سبب كان ، ولا يمكن التعبّد بوقوع حدث تاريخيّ إطلاقا . وهذا معنى قولهم : لا اعتبار بالخبر الواحد في باب التفسير والتاريخ والعقائد ؛ إذ لا يوجب علما ولا عملًا ، حيث المطلوب في هذه الأبواب هو العلم ، الذي لا يحصل بخبر الواحد بمجرّده ، كما لا عمل - فعلًا أو تركا - هنا ، كي يستدعي الخبرُ الواحدُ التعبّدَ به . ومن ثَمّ اختصّ باب التعبّد في اعتبار الخبر الواحد بالفقه ؛ حيث العمل هناك محضا . إذن فما قيمة الحديث - الخبر الواحد - في باب التفسير وكذا التاريخ ؟ الأمر الذي يجب الإمعان فيه : قيمة الخبر الواحد في باب التفسير والتاريخ إنّما هي بملاحظة المتن