الشيخ محمد هادي معرفة
370
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
العلم بعدمه تكليف بالجمع بين النفي والإثبات « 1 » . قلت : ولعلّ إمامنا الرازيّ طاعن في ضلاله القديم أو متظاهر بذلك . * * * ومن ذلك أيضا ، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى : « قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » « 2 » . قال : احتجّ أصحابنا بهذه الآية في بيان أنّه لا يجب على اللّه رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه ، وتقريره : أنّ إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله اللّه تعالى ، ثمّ بيّن أنّه إنّما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم ، وكان تعالى عالما بأنّ أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته ، كما قال تعالى : « وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 3 » فثبت بهذا أنّ إنظار إبليس وإمهاله هذه المدّة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير ، فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يُمهله وأن يمكّنه من هذه المفاسد ، فحيث أنظره وأمهله ، علمنا أنّه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلًا . وممّا يقوي ذلك أنّه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق ، وعلم من حال إبليس أنّه لا يدعو إلّا إلى الكفر والضلال ، ثمّ إنّه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق ، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ، ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . قالت المعتزلة : اختلف شيوخنا في هذه المسألة ، فقال الجبّائي : إنّه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ، ولا يضلّ بقوله أحد إلّا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضلّ أيضا . والدليل عليه قوله تعالى : « ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ » « 4 » ؛ ولأنّه لو ضلّ به أحد لكان بقاؤه مفسدة . وقال أبو هاشم : يجوز أن يضلّ به قوم ، ويكون خلقه جاريا
--> ( 1 ) - . راجع : التفسير الكبير ، ج 2 ، ص 42 - 47 . ( 2 ) - . الأعراف 14 : 7 - 16 . ( 3 ) - . سبأ 20 : 34 . ( 4 ) - . الصافّات 162 : 37 - 163 .